كل متتبع للشأن الطلابي أو بالأحرى للنضال الطلابي أو كل من عاش بين أسوار الجامعة، يرى أن النقاش و الخطاب الطلابي منذ الحظر العملي على الإتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) سنة 1981، ينصب حول موضوع الأزمة، أي ما يقارب 35 سنة من النقاش في هذا الموضوع. فبدل إيجاد حلول لهذه الأزمة، نرى تراكم سنة بعد سنة لعدة عوامل أدت إلى تعميق الجرح الذي أصاب الجسم الطلابي.
أليست 35 سنة كافية لإيجاد الحلول تُخرج الحركة الطلابية من مستنقع الأزمة؟ ما هي العوامل الأساسية التي أدت إلى هذه الأزمة؟ ألم يحن الوقت لتقول الفصائل كفى من الصراعات الضيقة، و اللجوء إلي مبادئ أوطم لتوحيد صفوفها؟ هل الصراعات الفصائلية تحترم المبادئ الأربع ل أوطم ؟ ألم يحن الوقت لإستبدال بعض الشعارات التي أكل عليها الدهر و شرب و تجديد الخطاب ليلائم المرحلة الحالية؟

قبل الإجابة عن هذه الأسئلة نورد فيما يلي ملخص وجيز ل كرونولوجيا الإتحاد الوطني لطلبة المغرب.
الإتحاد الوطني لطلبة المغرب (أوطم) نقابة طلابية تأسست بعد الإستقلال إبان أول مؤتمر تأسيسي لها (26-12-1956). و عرفت السنوات الأربع الأولى سيطرة حزب الإستقلال على المنظمة، لتحمل هذه الأخيرة لواء حزب الإتحاد الوطني للقوات الشعبية المنشق عن حزب الإستقلال. خلال المؤتمر الثالث عشر ستحدد بشكل واضح و دقيق لأول مرة في تاريخ الإتحاد المبادئ الأربعة : التقدمية، الديموقراطية، الجماهيرية و الإستقلالية.
ليتم الحظر القانوني على المنظمة سنة 1973 بعد المؤتمر الخامس عشر، و يرفع سنة 1978 لينعقد المؤتمر السادس عشر. و بعد فشل المؤتمر السابع عشر (1981) في انتخاب الأجهزة القيادية، و ذلك راجع أساسا للنزعة الفصائلية و الإيديواوجيا، تم حظر اوطم قانونيا و عمليا، و هنا كانت بداية الأزمة..

أزمة فهم وتطبيق مبادئ المنظمة
من بين المبادئ التي تبلورت بشكل دقيق إبان المؤتمر الثالث عشر هي الجماهيرية، و التي تعني فتح باب الإنضمام و العمل في صفوف المنظمة الطلابية أوطم لكافة الطلاب بغض النظر عن انتماءاتهم السياسية و الإيديولوجية. هذا من الجهة النظرية للمبدأ، لكن على أرض الواقع لا وجود للجماهيرية في الساحة الجامعية، كل فصيل يدعي أنه يمثل المنظمة لوحده و الباقي إما تحريفي، إما رجعي، إما شوفيني ، إما زنديق أو ظلامي... إلى غير ذلك من التسميات التي يبرر بها كل تيار أحقيته الشرعية في تمثيل أوطم، و نفيها عن التيارات الأخرى. هذا التعصب للرأي و للفكر و للجماعة، يؤدي في بعض الأحيان إلى الصراع الدموي و بالتالي إزهاق الأرواح كما حصل في مجموعة من الجامعات، و ما لا ينتطح عليه كبشان أن كل هذا لا يخدم الحركة الطلابية، بل يعمق مشكل التشرذم و التيه الحاصل مما يجعل الزحف على المكتسبات التي تم اكتسابها عبر صيرورة طويلة و شاقة من النضال و التضحيات أمر هين و سهل..
و كذلك من بين المبادئ التي انبثقت عن المؤتمر الثالث عشر هي الديموقراطية، أي أنه لكافة الطلاب الحق في تقرير التوجه السياسي و النقابي للمنظمة، و لكافة الطلاب الحق في اتخاذ القرارات بشكل ديموقراطي، لكن ما يلاحظ في الساحة الجامعية هو عبارة عن تسلط و استبداد مجموعة من الطلبة تكتلوا في شكل فصائل، مؤمنين بانفرادهم بالتمثيل الشرعي للمنظمة كما أشرنا إلى ذلك سابقا، هذا التكتل أعطاهم قوة لقيادة سفينة أوطم في المعارك النضالية و بالتالي توجيه السفينة لأي وجهة أرادوها، و هنا أتحدث عن الحلقيات التقريرية، التي غالبا ما يغيَب فيها رأي الطلاب و تكون نتائج هذه الحلقيات في مجرى الفصيل الذي يقود المعركة، و قد تكون هذه النتائج مدروسة مسبقا. اذن فمبدأ الديموقراطية مغيَب في عمل مجموعة من الفصائل الطلابية و أصبح فقط شعار لدغدغت العواطف. و هذا التغييب للديموقراطية في العمل الطلابي أدى إلى نفور فئة كبيرة من الطلاب عن النضال و فقدان الثقة في القيادة. و منه، لكسب ثقة الطلاب وجب على الفصائل الطلابية إرساء مبدأ الديموقراطية في مكانه الصحيح و عدم الإستبداد بالرأي و الركوض وراء المصالح الشخصية. و هنا يمكن ان نضع علامة استفهام، فيما إذا كانت السيطرة على اتخاذ القرارات قد تنفي المقولة: المصلحة الطلابية فوق كل اعتبار.

أزمة المصلحة الطلابية فوق كل اعتبار
أي تنظيم نقابي كيفما كان، من بين أهدافه تمثيل أعضائه والدفاع عن مصالحهم، و الإتحاد الوطني لطلبة المغرب كنقابة طلابية كان هدفها الدفاع عن مصالح الطلبة و صد كل هجوم على المكاسب الطلابية، لكن في ظل الأزمة الحالية نرى جل الفصائل انتكصت على عقبيها في جعل أهداف المنظمة في مرمى نضالاتها. و كما ذكرنا سابقا، الصراعات الإيديولوجية بين الفصائل لها دور أساسي في ترك مصالح الطلبة جانبا و الإهتمام بمصلحة الفصيل كأولوية قبل كل شيء. هذا من جهة، و من جهة أخرى نلاحظ أن مجموعة من القيادات قد رفعت شعار الإنتهازية في الجامعة و إن كان ذلك ضمنيا، لكن قد يظهر ذلك جَليا من خلال الهيمنة على القرارات و توجية المعارك النضالية في بعض الأحيان إلى الخمود و نسفها أحيانا أخرى، و كل هذا راجع إلى انعدام مبدأ الديموقراطية لدى القيادة و تغليب المصلحة الشخصية على مصلحة العامة للطلاب، و هذا أيضا يجعل جزءاً كبيراً من الطلاب لا يضعون ثقتهم في القيادة، مما يؤدي إلى تكريس الأزمة...

أزمة تجديد و ملائمة الخطاب مع متطلبات المرحلة
الجامعة هي مكان للتحصيل العلمي و للإبداع الفكري و النضالي، لكن ما تعيشه الجامعة المغربية حاليا هو ركود فكري و نضالي و ليس إبداع، و يتجلى ذلك بوضوح في غياب المبادرة الطلابية في إبداع أشكال نضالية راقية و أكثر ديموقراطية، و الإعتماد على طرق كلاسيكية في النضال لا تتماشى و متطلبات المرحلة، و بعض الشعارات و المقولات في الخطاب الطلابي أتت عن طريق إرث نضالي قديم قد أكل عليها الدهر و شرب، و قد وُجدت في سياقات سياسية معين مضت عليه عقود من الزمن. و كمثال لا الحصر، الجدل المثار مؤخراً حول تعامل بعض طلبة موقع وجدة مع رئيس الحكومة أثناء اللقاء الذي ترأسه في المعهد العالي للتسيير، فطريقة الدخول إلى القاعة يوحي للمتتبع أن الطلبة أرادوا انتزاع الحوار بالقوة أو بالأحرى نسف اللقاء معتقدين أنه لا وجود للحوار أصلا، لكن الطرف الآخر أبان عن العكس، مما جر على الطلاب سيل من الإنتقادات. هذه الأساليب استعملت في وقت كان الحوار منعدما كليا و كان الرصاص هو الحل الوحيد لإسكات الصوت النضالي، فكان بالضرورة الرد بالقوة من الجانب المضطهَد. لا أقول بأن أسس الحوار حاليا قد اكتملت، و لكن تحسنت على ما كانت عليه سابقا، ألا يجذر بالفصائل الطلابية أيضا تحسين طرق نضالاتها؟
و كذلك رفع شعار "إرهابيين إرهابيين..." هي شعارات رُفعت في مرحلة معينة من الزمن و حسب سياقات مختلف، و أقصد هنا مرحلة إلتحاق بنكيران بالشبيبة الإسلامية 1976 التي ستُتهم فيما بعد بتورطها في اغتيال عمر بن جلون، ثم الإنشقاق و التأسيس السري للجماعة الإسلامية ليقودها بنكيران لولايتين متواليتين (1986-1994)، و في هذه الفترة شهدت الجماعة مجموعة من الإعتقالات في صفوفها، فتبلورت في ظل هذه الظروف عند مجموعة من التيارات السياسية فكرة نسب 'الإرهاب' للجماعة. لكن أن تبقى متشبث بفكرة الإرهاب من ذلك الزمن إلى 2016 و أن تقول لرئيس حكومة إرهابي، فهذا إن دل على شيء فإنما يدل على الجمود الفكري الذي وصلت إليه الجامعة المغربية، و عدم قدرتها على مسايرة المرحلة الراهنة، و عدم قدرتها لإصدار مواقف جديدة تعبر بشكل قوي و دقيق على رفضها لسياسة الإجهاز على المكتسبات الطلابية من طرف الحكومات المتوالية.
خاتمة
و في الختام، لتجاوز الأزمة الحالية، نشدد على ضرورة تذويب الصراعات الفصائلية و جعلها ثانوية أمام مصلحة الجميع، و إن كان ذلك تدريجيا، و إعطاء الفرصة لجميع الطلاب للتعبير عن رأيهم بشكل ديموقراطي، لكسب الثقة و القوة الجماهيرية. و ابتكار اساليب نضالية جديدة تتلاءم و المرحلة الراهنة، و استبدال الخطاب الموروث بخطاب أكثر فعالية و قادر على إنتاج مواقف قوية تعبر بشكل دقيق على الرفض التام لكل سياسة من شأنها الإجهاز على المكتسبات التي أتت بها نضالات طلابية بطولية.