خميس بتكمنت

عرف الخطاب الأمازيغي تغيرات نوعية في إنتقالاته التعاملية مع المتغيرات السياسية التي اتسم بها المشهد السياسي الرسمي الذائد عن تحصين ازدواجية أعربة المجال الجيوسياسي من جهة و من جهة ثانية الساعي إلى عرقلة مسار التغيير الجذري الذي طرأ على الوعي الجماعي على الذهنية الاستعابية ﻹيمازيغن بعد تزايد الوعي المستمر بأواصر الانتماء الهوياتي و الفضح المتواصل لدسائس التاريخ الرسمي الذي يقرن ثباتية الاستقرار الدولتي بمتلازمة النظام العروبي الطامس للهوية الجماعية من أجل تحصين شرعية سياسية عروبية دخيلة منبنية على تغليف السياسة بالدين لضمان الترسيخ الشمولي لشرعية النظام المنبنى على ازدواجية العروبة و الاسلام .و قد سعت الحركة الامازيغية في مسار سيرورتها الخطابية ، على تكييف المتغيرات السياسية للضغط على النظام السياسي لتغيير النظرة التعاملية التي يعالج بها الملفات المقترنة بإيمازيغن عبر الانطلاق من خطاب يرتكز على المجادلة الفكرية لمقارعة التوصيف المخزني في كل ما يتعلق بالهوية و التاريخ و الثقافة لتنتقل إلى تسييس خطابها وفق محددات المقارعة المعقلنة المجابهة للطرح الشمولي العروبي المحصص بنصوص دستورية-تشريعية تلتقي في نوازع المخزن الرامية إلى توطيد البعد التقديسي لشرعيته السياسية شريطة تهميش الشعب و المساس بالمحددات الهوياتية الأمازيغية .

و مع تزايد وتيرة وعي إيمازيغن بحقوقهم السياسية و بحقهم في إسناد الاولوية للبعد الأمازيغي سياسيا في اي مشروع بناء لمؤسسات دولة تقتضي أولاً إقرار الأمازيغية كهويتها السياسية و ثانياً إسناد زمام جينيالوجيا التشريع السياسي للشعب الامازيغي و القطع مع التنزيل الفوقي للقرارات السياسية . أمام عامل الوعي الامازيغي المتنامي الذي تصاحبه مساعي مخزنية لكبحه من أجل الحفاظ على قدسية الملكية و تعالي النص السياسي المخزني بعد الحفاظ على تجنيب أي طرف سياسي لم ينصهر في بوثقة الولاء لأهداف الاعربة السياسية و العروبة المجالية استراتيجيا من تقاسم الاشراك في صناعة القرار السياسي ، وجب على الحركة الامازيغية اعادة النظر في آلياتها العملية و التعبوية و كذا في ميكانزاماتها التعاملية مع هذه المتغيرات اللحظية التي افرزتها التمويهات الرسمية الهادفة إلى إبقاء عروبة الدولة كمعطى ثابت لا يتغير فيه إلا انماط تسويقه السياسي و تعليبه . 

-المخزن و الامازيغية : أية علاقة ؟ لا تزال مقاربة الإخضاع سائدة في الشرط التعاملي الذي ينتهجه النظام المخزني تجاه إيمازيغي كتكليل لنصر ميداني ناتج عن إفرازات حرب الغزو العربي لشمال إفريقيا ، إذ لا تزال سلالة الإنتماء للنظام الحاكم تصنف في خانة التمييز الفوقي بإستغلال نصوص دستورية ( النسب الشريف -إمارة المؤمنين ) و بإستغلال نواتج التعقيم الرسمي ضد اي طفرة جماعية للوعي بالذات ( تكريس خطابات تمييزية في الاعلام الرسمي و خلق منظومات تربوية قائمة على توطيد التباين الانتمائي بين سلالة الحاكم و عرق الشعب الامازيغي ) ، دون إغفال الاشارة إلى تكريس التمييز السلبي تجاه الامازيغية في دساتير المخزن الممنوحة و المتعاقبة ( آخرها عنصر إلحاق الامازيغية في دستور 2011 الممنوح بإستعمال كلمة " أيضاً" و عطف الامازيغية على العربية في الفصل الخامس ) .
يأتي هذا الترامي على كل ما هو امازيغي لتوسيع الهوة بين قدسية الحاكم المتحكم بشكل أحادي في استصدار القرارات السياسية و بين الشعب المحكوم بإستعمال إزدواجية الإطراد بعد تصوير المخزن لمؤسساته السياسية كأرقى نوع من الاستبداد الناعم الذي يضطهد كل مناهضي إيديولوجيته التي انبثقت عنها شرعيته السياسية و في نفس الآن يقوم بتسويق نصوص معلقة الى الرأي العام الدولي مدعيا سعييه الحثيث في مسار الدمقرطة ، التي تستلزم الرجوع للشعب كأصل لإستصناع القرارات السياسية و ليس فأرا مختبريا تسقط عليه النصوص الفوقية ، تارة بتداخل الديني فيما هو سياسي و تارة اخرى بإستغلال مسار مستقر للحراك الامازيغي لا يعرف ذبذبات تصعيدية في مبيان الضغط السياسي .

و أمام كل ما سبق فالحركة الامازيغية ملزمة بإعادة النظر في آليات تعاملها مع المتغيرات اللحظية التي تفرزها بوثقة المتهجيات المخزنية من خلال ضرورة وقوف وقفة تأمل في مرآة الذات المناضلة لجرد مكامن القوة و الضعف لتصحيح المسار التعاملي مع سياسات الدولة بالتحلي بجرأة الإعتراف بالاخفاقات و ليس الدفاع عن الخطأ و محاولة توطيده لتحصين غرور اﻷنا المناضلة بشخصنة مطالب شعب بأكمله في رؤية نظرية لشخص او تيار معين ينظر لإفرازاته كأقصى مراتب الاجتهاد و الفهم السياسيين .النقد الذاتي لسيرورة المسار النضالي هو المدخل لإعادة فرز النسق المتبني لفصل تيارات المنفعة الذاتية عن تيارات المد الراديكالي ، فلا يعقل الجمع بين الطرح القائل بضرورة بناء نقاش تشاوري حول أسس الدولة المبتغاة و بين التيار الآخر الذي يشتغل من داخل المؤسسة المخزنية و المحسوب على الحركة الامازيغية في نفس الآن الذي يسعى إلى تغيير مظاهر الاستبداد المضروب على الامازيغية دون جرد العلل و الأسباب التي ادت الى معايشة الوضع الآني .إذ لا حديث عن توافق للخطو الى دولة ديمقراطية بمعية المستبدين و متسببين عن رتابة الوضع الحالي فالتيار الاصلاحي يسعى دوما إلى التهرب من خدش صورة العلة و المتسبب بتغليب المصلحة عن الاهداف الاستراتيجية للقضية و غالبا ما يكون المنظوين تحت لواء هذا التيار قد تم اشراكهم في كعكة الفساد السياسي بتفويتات عقارية او استفادة مشبوهة من صفقات ما سمي بالمبادرة الوطنية للتنمية البشرية أو تدخلات لرؤوس الفساد النقابي و الحزبي في تمكين البعض من امتيازات عينية مقابل تقييد افواههم و تسييجهم بخطوط حمراء تنتقد الوضع و لا تشير للمتسبب عنه . و في المقابل فالتيار الراديكالي الأمازيغي ملزم أيضا بترجمة تجذره الشعاراتي إلى خطاب عملي ملموس بعيداً عن فوضوية الشعارات ، إذ أن شجب نهب الاراضي مثلاً غير كاف للخروج من مأزق الترامي على ممتلكات ايمازيغن بإستغلال ظهائر إستعمارية ، فالأرض محدد ثابت في محددات الهوية و يجب ان يكون الموقف من المساس بها مبني على استئصال العلة و طرح البدائل بدل الالتفاف على أشكال باهتة تكون بطلتها الكاميرا و نازعها حب الظهور الذي يخفي وراءه رغبة في تأجيل تأجيج شرارة الغضب و لعل الدليل على عدم جاهزية التيار الراديكالي في تبني هذه الملفات هو إغماض العين عن تقديم أية اضافة للحراك الايميضري و تحاشي الحركة الامازيغية عن البت في بلورة اشكال نضالية ترتقي بشموخ المعتصمين فوق جبل ألبان ، إما فشلا في حشد المناضلين في أشكال تصعيدية و اما تفاديا للاصطدام مع النظام السياسي بدعوى ان الهوليدنغ هو المسؤول الاول عن معاناة الايميضريين ، و أيضاً ينبهر المتابع للحراك الأمازيغي عن اﻵليات التي يتم التعامل بها مع ملف ضحايا الغازات السامة و الكيماوية بالريف ، إذ لا يتعدى الامر في اقصى مراتبه مرتبة الشجب في وقت تتزايد فيه ارقام الضحايا و أعداد شهداء السرطان الناتج عن امطار الريف بالغازات السامة التي تسبب فيها أسلاف النظام السياسي القائم . و هذا القصور في تبني الملفات الكبرى يوحي للمخزن بالطمأنينة و يشعره بجبن سياسي يعيق تطوير الآليات الاحتجاجية لتستقر في الوقفات المؤقتة .-الحركة الامازيغية و سؤال الغد الاحتجاجي . صحيح أن الوعي بالقضية الامازيغية يعرف تزايدا ملحوظا و تناميا ساريا في كل حين ، لكن ذلك غير كافي قطعاً في بلورة أفق احتجاجي لتحقيق المطالب الكبرى للحركة الامازيغية من قبيل إسقاط الدستور الممنوح و اقرار الامازيغية في دستور ديمقراطي شكلا و مضمونا يقر بدولة امازيغية علمانية و ديمقراطية . إذ أن هذه المطالب لن تتحقق بنضالات موسمية سائرة في مسار افقي روتيني تغيب بقصد او غير قصد عنصر التصعيد و المباغثة في المواقف ، فغالباً ما تكون هذه النمطية عبئاً على القضية اكثر مما تفيدها ﻷنها تفقد الزخم النضالي أواصر ضغطه و تحوره من أداة احتجاج الى وسيلة الاستعراض و الفلكرة ، فخروج آلاف الأمازيغ في مسيرة احتجاجية شيء إيجابي و لكنه يفقد طابع الايجابية عندما يتهجم على المسيرة اربعة بلاطجة لتتدخل قوى الأمن لإزاحة البلاطجة عن مسار المسيرة فبذلك يسوق المخزن صورة للرأي العام الخارجي مفادها أنه يسهر على توفير الامن الكافي ﻷصوات إيمازيغن و يغالط الرأي العام الخارجي بكون الأمازيغ يحضون بحرية البوح بما يريدون و ذلك ليس صحيحاً بالفعل بدعوى أن السياسيات التمييزية و التهميشية و الهجومية الامازيغوفوبية لا تزال سارية المفعول تارة بإستعمال فلول الاسلام السياسي و تارة اخرى بإستصدار قوانين ملغومة تقيد إرادة ايمازيغن في معانقة التحرر .إن الحراك الاحتجاجي إن هو إفتقد لصبغة التصعيد فذلك لا يخدم إلا مصلحة المندسين الذين يعقدون صفقات سياسية بإسم إيمازيغن ، فالتصعيد وحده من يجعل الفلول في موقع التصادم مع خصم القضية ليجبروا على الانسحاب و تسقط عنهم أقنعة الراديكالية المزيفة التي يتبجحون بها ، فالاصلاحيون لا يتعدى دورهم دور الاحزاب و النقابات المتحكم فيها و يشتغلون وفق اجندة رسمية تسعى لكسب الوقت و امتصاص الغضب و عليه فلا يعول عليهم أبداً لتحقيق تطلعات التحرر و معايشة الشعب الامازيغي لديمقراطية كاملة في دولة امازيغية الاركان و المؤسسات .و على كل غيور على القضية ، إعادة النظر في الميكانيزمات العملية الاحتجاجية كي لا يكون الاحتجاج الامازيغي دافعه الرغبات السيكولوجية و ينبني على ردود الافعال الانهزامية و ليس الافعال . فملف المعتقلين السياسيين للقضية الامازيغية تحتاج لتضحية الكل و الرفع من سقف الضغط الى اعتصامات مفتوحة و احتجاجات متوالية لا موسمية مع التركيز على تدويل الإنشغالات لإسقاط المغالطات المخزنية المروجة ، و ملف نزع الأراضي يستلزم تأجيج الاحتجاجات في الهوامش بعيدا عن عقدة المركز و توعية المتضررين بحقهم في التنديد على غرار اباإيجو بتزنيت ، أما الموقف من الغازات السامة بالريف فيحتاج إلى الاحاطة بنوازع الخصوصيات الإثنومجالية ريفية و يستلزم اعطاء موقف مسبق من النهج التدبيري المركزي قبل تبني هذا الملف و نفس الشيء بالنسبة لملف إعتصام الأشاوس بجبل ألبان فعلى المناضلين الحسم في الموقف من النظام السياسي قبل التتلمذ من عزيمة و اصرار الايميضريين الذين ابانوا ان العزيمة و النصر يكمنان في القدرة على المواصلة في المجابهة بخلق تنظيم محكم عجزت الدولة بكل ترسانتها عن اختراقه .