"المبدع في الشرق عامة ، قط جائع في حانوت للمعلبات ." ( محمد الماغوط)
إن تاريخ الانتفاضات التي عرفها المغرب منذ مرحلة الاستعمار الى الآن ، يبين أنه كان دائما تضحيات كبيرة من جانب الشعب المغربي لا تعكسه حجم التغيرات التي عرفتها البنية الاجتماعية بمستوياتها السياسية و الاجتماعية و الثقافية . فالاستثمار الاجتماعي لحركية الشعب لم يكن في مستوى التطلعات التي تفرضه كل مرحلة . إن النخب المؤمنة بالمشروع الديمقراطي والمفروض فيها ان تلعب دور المحرك و المستثمر لحراك الجماهير ،لعبت في كثير من الاحيان دور المزيف للوعي الجماعي و حولت الحراك الشعبي الى صفقات لتحقيق مصالحها الشخصية او الحزبية الضيقة. كماانها تميزت ببؤسها في انتاج الادوات المعرفية القادرة على تفكيك أليات وميكانيزمات البنية الاجتماعية المغربية وطرح مشاريع مجتمعية وتصورات لتغييرها و دمقرطتها .حيث المغاربة يعانون يتما حقيقيا من ناحية نخبهم في جميع المجالات مما يفسر جزء من عوامل العقم الهيكلي الذي يعاني منه المجتمع في مستوياته المختلفة.


1- محاولة لتعريف النخبة :
ان مفهوم النخبة لعب دورا اساسيا في تحليل الظواهر الاجتماعية خاصة المرتبطة بتطور المجتمعات و التغييرات التي تمس بنياتها الاجتماعية. فهو اداة مهمة لتحليل تطورات المجتمعات بحكم الادوار التي تلعبها هذه النخب في قيادة هذه التغييرات و تحريك و صناعة التاريخ .
فالنخبة هي "الفئات التي تحظى بنوع من التميز داخل حقل اجتماعي ما وتمارس نوعا من الريادة داخل هذا الحقل " ( محمد سبيلا ، مقال : النخبة السياسية والثقافية في مغرب بعد الاستقلال ) ، كما يعرفها باريتو في كتابه ( العقل والمجتمع) " بانها مجموعة من الافراد الذين حققوا نجاحات مميزة في مختلف انشطتهم في مباريات الحياة وذلك بطريقة تجعلهم قادرين على لعب ادوار قيادية داخل المجتمع ". ان هناك عدة تعاريف للنخب ، فهي تخضع لنوع المقاربات المتبناة لتعريفها . اما النخب التي نقصدها فهي الفئات من الافراد التي لها القدرة على لعب ادوار طلائعية و قيادية في المجتمع و ذلك عبر التأثير الرمزي و المادي على الشعب في سبيل تقدمه و رقيه .
2- طبيعة النخبة المغربية :
النخبة بالمغرب هي نخبة رثة ومشوهة ، لانها نتيجة لحداثة رثة للمجتمع مست الواجهة و لم تمس العمق . فالبنيات التقليدانية للمجتمع هي التي كيفت التطورات التي عرفها المجتمع في مختلف مستوياته الثقافية والسياسية والاجتماعية لصالحها .فالاجهزة الثقافية، التي المفروض منها انتاج النخب ،هي كذلك ضحية هذا التشوه . والذي يحول في الحقيقية النخب الى شبه نخب ، فبدل ان تلعب دورا رياديا في طرح افكار ومشاريع نقدية للثقافة السائدة في المجتمع و طرح الإشكاليات الحقيقية التي يعيشها الشعب المغربي، تخصصت في شعبوية مقيتة تجمل الثقافة السائدة و تستعملها بوقاحة لديمومة التخلف و تحقيق المصالح الشخصية او السياسية الضيقة و تبتعد عن كل التساؤلات و الاشكاليات الحقيقية التي يعرفها المجتمع المغربي . شبه النخب هذه تتميز بافتقادها للعقل النقدي و بجهلها للدور التاريخي المناط بها و بجبنها المعرفي و السياسي في مواجهة المشاكل الحقيقية للمواطنين و بانتهازيتها الفجة. كما إن توحش المخزن و قمعه و إتقانه لعبة الاحتواء والاقصاء، لعب دورا في صنع مثل هذه النخب وحول الجزء الكبير منها الى حيوانات اليفة داخل مزرعته او حاصر الاقلية النقدية وحولها الى " مسوخ" مخيفة ومعزولة حتى في علاقتها مع الجماهير عبر استغلال الثقافة الدينية السائدة و الحركات الاصولية التي تعد حقا احدى العوائق الكبرى لعدم بروز نخبة حقيقية .
إن تحالف الاستبداد و الثقافة الاصولية السائدة في المجتمع المغربي، هو احد الاسباب الرئيسية لبؤسوية الشبه النخب في المغرب و جبنها في طرح الاشكاليات الحقيقية و العوائق التي يعاني منها المجتمع المغربي في سبيل تطوره وتقدمه.
3- حراك شعب وبؤس نخبة :
ان تضحيات الشعب المغربي منذ الاستعمار الى الآن وفي مختلف محطاته النضالية ،يقابلها فشل على مستوى المقابل التاريخي لهذه النضالات . وذلك يعود بشكل اساسي الى غياب نخبة حقيقية تؤطر هذه النضالات ضمن مشروع مجتمعي متقدم و تضع الآليات و الميكانيزمات الكفيلة بتحقيقه و تحول نضالات هذا الشعب الى انتصارات له في سبيل تحسين وضعيته وتقدمه . بل ابتلي بشبه نخب بئيسة عقيمة عن طرح الاشكاليات الحقيقية للشعب المغربي بجرأة في مختلف المستويات ، بل تقوم بوظيفة قذرة و ذلك عبر تزييف الوعي و تزوير التاريخ و القيام بالصفقات لتحييد هذه النضالات و استثمارها في غالب الاحيان عكس مطالبها . فالفترات الحرجة التي مرت فيها السلطة في المغرب خلال الحراك الذي عرفه المغرب و الذي كان آخره انتفاضات الشعب المغربي من خلال حركة عشرين فبراير ، تبين بالملموس أن الشبه النخب كانت تابعة للمخزن و تدخلت لانقاده و الالتواء على مطالب الشعب و ذلك بكل صلافة ووقاحة .
إن تقدم المجتمعات هو نتاج تحالف نخب نقدية ،تتبنى فلسفة المطرقة و تقوم بطرح الاشكاليات الحقيقية للمجتمع و وتتبنى مشروع مجتمعي واضح المعالم يقطع مع العوامل الحقيقية للتخلف، وجماهير مؤطرة سياسيا ويتميز حراكها بالعقلانية والبرغماتية السياسية بعيدا عن مبدا " الحركة كل الشيء و الهدف لاشيء "( احد الاسباب الاساسية لفشل حركة عشرين فبراير ) وفئات اجتماعية من الطبقات الوسطى والعاملة والتي لديها مصلحة في التغيير والتقدم . المشكل ان في المغرب نعاني من بؤس هذا الثلاثي : فالنخب مدجنة وفصامية و الشعب خضع لمرحلة طويلة من التجهيل والتفقير و الطبقات المعنية بالتقدم تعاني التفقير الفكري والاقتصادي والذي يعيقها عن اي تطور .