" الحداثة رسالة و نزوع من أجل التحديث، تحديث الذهنية ، تحديث المعايير العقلية و الوجدانية " : محمد عابد الجابري .

1 - على الرغم من " الفوز " الذي حققه تيار الحداثة و الليبرالية في الاستحقاق المغربي ( المحلي و الجهوي ) للرابع من شتنبر 2015 ، إلا أنه فوز بطعم الهزيمة ، و تقدم نحو الخلف ، و لعل هذا هو العامل الذي حدا بالخبراء و المراقبين الدوليين و المغاربة المحايدين ، إلى الصدح بالحقيقة المفجعة و المؤلمة بالنسبة لأنصار " الصف الديمقراطي الحداثي " ، مفاد هذه الحقيقة المزلزلة أن الحداثة المغربية بدوية الانتماء قروية الهوى ريفية المنزع ، أما الصف المحافظ فيضيء بمصابيحه المدن المحورية و المحركة للرأس المال المادي و المعنوي ، و يحظى بالمقبولية الشعبية والمساندة المتنامية من قبل الطبقات الاجتماعية المتوسطة و الدنيا و العليا ..!
2 - لا يصدر صاحب هذه الأسطر عن رغبة في التشفي أو الدفاع العاطفي و المغرض عن تيار سياسي ضد آخر ، لكنه ينطلق في استقرائه للمنجز السياسي و المجتمعي الوطني و العربي ، من إيمانه اللامحدود بالقيم الديمقراطية الكونية القائمة على التعددية و الحرية و المساواة .. و التعاطي العقلاني و الموضوعي الملموس مع تفاعلات الواقع الملموس . و من هذا المنطلق قد يصاب المرء بذهول غير مسبوق و هو يتابع تعليقات و تحليلات " تستجلى " نتائج الانتخابات المغربية الأخيرة ، و تسعى " جاهدة " للإجابة عن السؤال المحرقي : لماذا طرد الشعب المغربي رافعي يافطات الحداثة اليمينية و اليسارية من المدن نحو البوادي ؟ و صوت بكثافة على التيار المحافظ ، و المتمثل أساسا في حزب العدالة و التنمية داخل المدن و الأحياء الراقية و المتوسطة ؟ لقد كان على أنصار التيارات الليبرالية المغربية بعد الحصاد المر ، أن يغتنموها فرصة سانحة ، و يضعوا جانبا ميكانيزم التبرير و العناد و حجب الشمس بالغربال ، و ينكبوا لدراسة مدخلات و مخرجات هذه المرحلة الوطنية و الإقليمية و الدولية الفارقة ، و يقدموا بشجاعة نقدا ذاتيا جذريا و هيكليا ، لمعرفة مواطن القصور ، و مناطق الخلل في الجهاز المفاهيمي للرؤية التي ينظرون بها إلى العالم و المجتمع و الإنسان ، و يعيدوا النظر في فهمهم للواقع المغربي المخصوص ، إذ يبدو أن دعاة الحداثة عندنا يمضون وقتهم في التنظير و التخطيط و التقطيع و التوزيع ، في استوديوهات التلفزيون و الفنادق المصنفة و المقاهي و الصالونات " الرفيعة " ، بعيدا عن نبض المواطن المغلوب على أمره .
3 - إن المغرب حقا في حاجة إلى حداثة وطنية صادقة ؛ سياسية و ثقافية و مجتمعية ، لتهيئة تربة صالحة لاستنبات نسق سياسي حديث بحصر المعنى ، نسق ينهض على مقومات التجارب الديمقراطية الناجحة دوليا ، أقلها التنافس الحر و الشفاف على السلطة ، و وجود هيئات سياسية و مدنية مستقلة في قراراتها ، منصهرة في سدى و لحمة مجتمعها ، محترمة لقيمه الدينية و الحضارية ، و الفصل التام بين السلطات ، و الحياد الإيجابي لوسائل الإعلام ، و القبول بالآخر رغم الاختلافات الجنسية و العرقية و الدينية و اللغوية .. و حب لا نهائي لوطن نحلم على الدوام أن نبوئه المكانة الرفيعة التي يستحقها .. و لعمري هذه الحيثيات الجوهرية تكاد تكون غائبة في وعي أنصار " الصف الحداثي " المغربي ، و كأنهم يتعاملون مع مغرب آخر في كوكب آخر من صنع مخيلتهم فائقة الغرابة !
4 - و على صعيد آخر أبان استحقاق الرابع من شتنبر أن الشعب المغربي – رغم أنه لم يستفد بما فيه الكفاية من ثمار التجربة السياسية الراهنة - لم تعد تنطلي عليه أحابيل الفساد و الاستبداد ، و لا " العروض " المالية السخية ، و وسائل الترهيب و التحكم ، بل إنه مضى و بكثافة إلى صناديق الاقتراع ليدافع عن مصيره و مستقبل أبنائه و استقرار وطنه ، و التعبير عن رغبته في مواصلة الإصلاح و البناء على يد حكومة ائتلافية ، بزعامة الحزب الوطني الإسلامي المعتدل العدالة و التنمية ، الذي بذل منذ سنوات و ببطء شديد تضحيات و جهودا ( هرقلية ) للوصول إلى هذه " اللحظة التاريخية " ، كي يساهم إلى جانب هيئات سياسية وطنية صادقة ، بغض النظر عن انتماءاتها الأيديولوجية ؛ في إنجاز انتقال ديمقراطي يليق بالأمة المغربية ، فالدول الحديثة الصاعدة منها و الراقية تدار بالبرامج السياسية و الاجتماعية و الاقتصادية و الثقافية .. المدققة و المرقمة ، لتلبية انتظارات المواطنات و المواطنين ، في ميدان الشغل و السكن و التعليم و الصحة و القضاء .. بعيدا عن أي تدخل مجاني في الحريات الفردية و الجماعية دينيا و مدنيا ، و هذا ما أدركه بعقل راجح أصدقاء عبد الإله بنكيران " المحافظين " ، و غاب ببلادة عن إدراك أدعياء الحداثة و الليبرالية ، الذين هرولوا – بعد أن قال الشعب كلمته - نحو إبرام الصفقات و " التفاهمات " ( الحداثية جدا ! ) للالتفاف على الإرادة الشعبية ، والعودة مجددا إلى المؤسسات الجهوية المدنية ، بعد أن أخرجوا منها مهانين ، دون أن يعيروا أي اهتمام لما يلحقونه من اعتداء مفضوح على التحول الديمقراطي و الاستثناء المغربي الواعد !