محمد بوبكري

لا جدال اليوم في أن مشكلة الحداثة في مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا هي مشكلة سياسية واجتماعية بالدرجة الأولى. وما لم تتغير مجتمعاتنا بمختلف مؤسساتها وتتخلص من تخلفها، على كافة المستويات والمجالات، فلن تكون هناك حداثة لأن هذه الأخيرة هي رؤية شاملة للإنسان والحياة وليست مجرد شكل...

 

قد يقول قائل لقد عرف تاريخ مجتمعاتنا إرهاصات للحداثة، لكن لماذا انحسرت وفشلت؟ يجب أن نميز في تفكيرنا بين الأفراد والمؤسسات. فالفرد عندنا كان دائما متميزا في جميع الميادين. لكن، وبفعل عوامل كثيرة، ما تزال المؤسسة في منطقتنا تقليدية ومتخلفة. وأظن أن ذلك يعود أساسا إلى التأثير السلبي للفكر الديني الذي ساهم في تخلفنا لارتكازه على المطلق واليقين ورفضه للشك وحرية التفكير، مما يعوق التغيير والتقدم...
وبذلك، فتغيير المجتمع لا يمكن أن يتم برفع عدد الأفراد المتعلمين وحده، وإنما بتغيير المؤسسة الذي لم يحدث عندنا لحد الآن، مما يجعل حداثتنا تبقى حداثة أفراد، ومستعارة، إذ لا تتجاوز مجرد أخذ أدوات من الغرب لتحسين نمط الحياة، كالطائرات والسيارات والحواسيب والهواتف، وما إلى ذلك. كما أننا لم نبتكرها، بل أخذناها عن غيرنا مع رفض العقل الذي ابتكرها...
نحن سجناء نظرة تقليدية للمجتمع، إذ ننظر إليه بوصفه أمة وليس مجموع أفراد أحرار، دون أن نعي أن مفهوم الأمة عندنا نقيض للحرية الفردية. لذلك ينبغي ألا نُشدِّد اليوم على هوية الأمة بإلغاء الحرية الفردية، بل يجب أن نركز على هذه الأخيرة لنتمكن من تغيير النسق الاجتماعي بشكل سليم؛ فهذا الأخير يستوجب وجود فرد حر يُغيِّره. وما دامت المؤسسات في منطقتنا، بما فيها زعامات الأحزاب، مسخرة لمعاداة حرية الأفراد، فلن يكون هناك تحديث ولا ديمقراطية ولا تنمية...
قد يعترض البعض على ذلك قائلا: أليست المجتمعات التي أحدثت تغييرا حداثيا ديمقراطيا أمما؟ أليست هي التي صنعت حرية الأفراد؟! إن ما يغفله - أو يتغافل عنه هؤلاء - هو أن هذه المجتمعات قد انتقلت من واقع إلى آخر. فمثلا، كانت الكنيسة في أوروبا هي المسيطرة، ولم يتأت الانتقال إلى الحداثة إلا بتحييد الكنيسة، وذلك ما يعني أننا في حاجة إلى التحرر من مؤسساتنا على جميع المستويات.
أرى أنَّ قول أدونيس بأننا "أمة ترى حاضرها بعيون ماضيها" فكرة تعكس واقعنا؛ فبالرجوع إلى حياتنا اليومية نجد أن الماضي هو مرجعيتنا في تعليل ما نقول وما نكتب وما نفعل، وذلك ما يؤكد أننا لم ننجح بعد في اعتماد البحث والتساؤل والتطلع إلى المستقبل أساسا لما نقول ونفعل. فنحن دائماً ندعم أقوالنا وأفعالنا بما قاله السلف ناسينَ أنَّ أقوالهم تتحدَّدُ بسياقهم، وأنَّه إذا كان بعضهم قد قال أشياء مهمة يجب فهمها والاستفادة منها فذلك لا يعني ضرورة جعل كل السلف مرجعية مطلقة وفي كل المستويات. في المقابل، ينبغي التجاوب مع المفكرين والكتاب الذين يخاطبون المستقبل، لأن من يخاطبون الماضي يخاطبون العقلية السلفية الجامدة فقط. أما الذين يخاطبون المستقبل، فيطوِّرون أسئلة يطرحونها على المستقبل...
يفرضُ امتلاء الإنسان بالتناقضات على المرء أن يستمر في نقد ذاته، وأن يبحث دوما عما يناقضها، وأن يشعر باستمرار بأنَّ حاضره وإن جاء من الماضي، فهو غير دائم، وأن هويته تتغير باستمرار وهي تسير نحو المستقبل، مما يستوجب قبول التطور، ورفض التقوقع في الانتماءات الإثنية والقَبَلِية والطائفية التي تعوق التقدم وتخلق الفتن التي تفتت الأوطان...
الهوية لا تُورَّث، بل تُبتكَر من قِبَل الفرد عبر تفكيره وعمله وإبداعه وفنه... نحن نكون ونصير، ولسنا كائنات مكتملة ونهائية، والهوية تحوُّل ومشروع مفتوح لا يبلغ الكمال لأن في الشعور الاكتمال موت الإنسان ونهايته...
وبذلك، فمشكلة علاقتنا بالماضي هي مشكلة قراءة. مهما كان النص عظيما، عندما يقرأه عقل صغير فهو يتحول إلى نص صغير. نحن لا نجيد قراءة تراثنا وماضينا، وذلك ما يفسر عدم قدرتنا على فهم حاضرنا ومستقبلنا. كما أن التأويل السائد للنص المُنَزَّل عندنا هو تأويل عُنفي لأنه يستند في قراءته له إلى قراءة السلف دونَ استحضار المتغير التاريخي. فإذا كان أحد الفقهاء قد قرأه قراءة خاصة، فينبغي أن نحترمها ونستفيد منها، ولكن الإنسان اليوم مؤهل لقراءة ذلك النص قراءة أكثر عمقا بحكم تطور العلوم...
لذلك ينبغي على الفرد ألا يكفَّ عن توجيه النقد إلى ذاته وإلى كل مؤسسات مجتمعه، كما يجب عليه أن يدرك تناقضاته ويعترف بها. فقد علمتنا مختلف تجارب الحياة ضرورة الاحتياط من أنفسنا ومن مؤسساتنا التي يسيطر عليها الفكر الأحادي والهويات المنغلقة التي تكره الحريات الفردية ولا تنتج سوى الحروب والكوارث، حيثُ أدت الهويات المغلقة إلى اقتتال البشر باسم الدين... ولتحقيق ذلك، يجبُ ممارسة القطيعة مع ذلك الفكر لسيادة السلام والمساواة والحقوق والحريات...
تعتقد المؤسسة في منطقتنا أنها مكتملة ومحصنة، لكن طبيعة الأشياء والحرية الفردية تقتضيان رفض المؤسسات التي لا يستطيع الفرد اختراقها. فمؤسساتنا أسوارٌ مُحصَّنة بالسياسة والفكر الديني والعادات والتقاليد، بينما الإنسان المتطلع إلى المستقبل ضد كل الأسوار...
إنَّ مؤسسات مجتمعاتنا لا تتيح للإنسان الحرية ولا الكرامة ولا العيش في ظروف جيدة، بل تؤكد تطورات السنين الأخيرة أن مفهوم الولاء للوطن بدأ يخفت في منطقتنا لصالح الولاء للسلطة حتى كادت هذه أن تقضي على مفهوم الوطن وكادت صلة الفرد ببلده أن تختزل إلى صلة بالنظام فقط!!