أصدرت محكمة الاستئناف بتطوان اليوم 23 نونبر 2016 قرارها بإلغاء قرار تسجيل الهيني بجدول مهنة المحاماة، وذلك عقب المعركة الشاقة التي خاضها القاضي المعزول بسبب رأيه، بمعية أفراد شرفاء عديدين من المجتمع المدني، ومن الحقوقيين، والمحامين، وقضاة شرفاء. وجرت المعركة في غياب تام ومطلق للأحزاب السياسية، إلا من رحم ربي.

الحكم الصادر ضد الهيني أخلف موعده مع التاريخ ،فهو يدين في الواقع الجهة التي أعطت الأوامر للمحكمة لكي تصدر هذا القرار الجائر الذي لا يستهدف الهيني فقط بل يستهدف كل أصوات القضاة والحقوقيين الذين ناضلوا بدعم من القوى الحية في المجتمع من أجل انعتاق القضاء من أهواء السياسة،ويضرب في مقتل كل المقتضيات الدستورية في باب السلطة القضائية التي تم التهليل بها في دستور 2011 ،فغذت نصوصا ميتة لا وجود لها ،ومسكنات فقدت الحاجة إليها لانها مجرد مساحيق لوجه شاحب
لقد كانت معركة الهيني في سلك القضاء شرسة وبلا رحمة لأنها كانت تدور بين فريقين، فمن جهة هناك من يدعم استقلالية القضاء وتخليصه من هيمنة الجهات النافذة بمن فيها السلطتين التنفيذية والتشريعية، وفي الجهة المقابلة كانت توجد الأطراف والأذرع المستفيدة من عدم استقلالية القضاء التي قد تمس بمصالحها الضخمة، وتجسدت هذه الأطراف في الإدارة المنخورة بالفساد والرشوة والبيروقراطية، والمخزن الاقتصادي المعتمد على الريع لمراكمة الثروات الطائلة في خرق فاضح للقوانين، ولوبيات الفساد والمخدرات، وقسم من الجسم القضائي الذي يرتع في هذا الواقع الآسن ويستفيد من عائداته، والذي يرعبه أن يشعر أن نسائم الإصلاح قد بدأت تهب بين ثنايا القضاء لتخرجه من واقعه الحالي.

كما يوجد من ضمن الذين يناهضون استقلالية القضاء بعض المحامين الذين ترعرعوا وتربوا في ظل الفساد، وكونوا ثروات ضخمة في إطار تحالف مع بعض القضاة الفاسدين، فهذان المكونان يشكلان معا جسما واحدا لن يقبل بإصلاح القضاء، وبوجود قضاة نزهاء على شاكلة الدكتور محمد الهيني في سلكه.

وينطبق نفس الأمر على السلطتين التنفيذية والتشريعية، إنهما معا تتضايقان من وجود قضاة مستقلين يُحكِّمون ضمائرهم خلال قيامهم بعملهم، ويرفضون الرضوخ للإملاء الوافد عليه من خارج قاعة المحكمة، فإذا وجدت لبنة على هذا النحو في الجسم القضائي، فإنها قد تنمو، وتتطور، وتصبح مع مرور الوقت قوة ذات تأثير في الجسم القضائي، وقد ينتبه إليها المجتمع، ويتعاطف معها، ويلتف حولها، ويحميها، الأمر الذي قد يضر بهيمنة السلطتين التشريعية والتنفيذية على القضاء، ويحُول دون تحكمهما فيه.
وبطبيعة الحال لن يوقف هذا القرار التحكمي المعركة النبيلة التي يخوضها الهيني والمدافعون عن استقلالية القضاء، إنه قرار سيغذي المعركة ويرفع من عدد المنخرطين فيها، بل يجوز القول إن معركة الهيني ومن معه أضحت تتخذ طابعا دوليا، فلقد جاءته المساندة من منظمات عربية وأوروبية مهنية قضائية وحقوقية .

وستضع هذه المستجدات الدولة المغربية في قفص الاتهام، وستسيء إلى سمعة الملك محمد السادس في الخارج، كما ستفضح الوجه التعسفي لوزير العدل والحزب الإسلامي الذي ينتمي إليه. إنهم على خطأ كبير، ومعركتهم خاسرة، وكلما طال أمدها، وانتشر صيتها، وزكمت رائحتها الكريهة الأنوف، إلا وفضحت الجهات الواقفة خلفها التي تحبك خيوطها. فإذا استمر الوضع على ما هو عليه، فإن قضية الهيني قد تستفحل وتتطور، وتطرح في المحافل الدولية، وفي المجالس العالمية التي تعنى بحقوق الإنسان واستقلالية القضاء.

لقد صدر هذا الحكم الجائر باسم الملك، وعلى هذا الأساس فإن على الملك التدخل لإيقاف هذه المهزلة التي تضر بسمعته وسمعة المغرب.