لم يكن الخطاب الذي ألقاه الملك محمد السادس في الجلسة الافتتاحية للبرلمان خطابا عاديا. إذا تمت قراءة الخطاب بتمعن، يجوز القول إنه خطاب استثنائي، ولم يكن مجرد غضبة ملكية على واقع راكد يعاند التغيير ويرفضه، وإنما كان جذبة ملكية لم تستثن في شرارة لهبها، لا الحكومة، ولا الأحزاب، ولا الإدارة.
لقد شكل الخطاب صفعة مدوية للأحزاب التي شككت في مصداقية الانتخابات وعلى رأسها حزب العدالة والتنمية الذي ظل طوال الحملة الانتخابية، وحتى قبل الإعلان عن النتائج بساعتين يتهم وزارة الداخلية بالتلاعب بالنتائج وتزييفها، ولا يلقي أي بال لعزم الملك وتصريحه التمسك بالخيار الديمقراطي والمضي فيه قدما.
لقد جاء الخطاب مؤكدا لما كان قد قاله وزير الداخلية حول تشكيك بعض الأحزاب في الانتخابات، حيث قال الملك: (( إننا نعبر عن تقديرنا لما أبانته السلطات العمومية من التزام بروح المسؤولية الوطنية في كل مراحل الانتخابات))، مضيفا: (( وبصفتنا الساهر على صيانة الاختيار الديمقراطي فإننا نؤكد تشبثنا بالتعددية الحزبية))، فلقد أعاد الملك في كلامه هذا تأكيد ما كان وزير الداخلية قد صرح به حول الظروف التي مرت فيها الانتخابات، كما شكل الخطاب لطمة للأحزاب الأخرى التي سارت على منوال البيجيدي، ومنها الاستقلال، والاتحاد الاشتراكي، والتقدم والاشتراكية.
ظل بنكيران يمطر الرأي العام لسنوات بالحديث عن التحكم ووجود الدولتين، والحكومتين، والعفاريت والتماسيح، والدولة العميقة، دون أن تكون له الجرأة لتسمية الأشياء بمسمياتها، ولكنه بعد بلاغ الديوان الملكي الذي انتقد بشدة وصرامة مثل هذه الأقوال اختفت بقدرة قادر هذه العبارات المطاطة والمبهمة والملغومة من قاموس بنكيران ورفيقه بنعبد الله ولم نعد نعثر لها على أي أثر في تصريحاتهما. ومن المؤكد أنه بعد الخطاب الملكي في البرلمان لن يسمع الجمهور إطلاقا كلمات من هؤلاء المسئولين تشكك في نزاهة الانتخابات والنتائج التي أسفرت عنها.
وبخصوص المنتخبين فلقد قال فيهم الملك ما يلي: (( ولكن مع كامل الأسف يلاحظ أن البعض يستغلون التفويض الذي يمنحه لهم المواطن لتدبير الشأن العام في إعطاء الأسبقية لقضاء المصالح الشخصية والحزبية بدل المصلحة العامة وذلك لحسابات انتخابية، وهم بذلك يتجاهلون بأن المواطن هو الأهم في الانتخابات وليس المرشح أو الحزب، ويتنكرون للعمل الحزبي النبيل..)).
ليس هناك أقوى من هذه العبارات لتوجيه النقد للأحزاب السياسية التي ترشح مثل هؤلاء المنتخبين وتوصلهم إلى المؤسسة التشريعية، الملك جرَّد في هذا الخطاب الأحزاب من كل مصداقية، وعرَّاها أمام الرأي العام من أي شرعية اجتماعية، وكرَّس وعلَّل نفور المواطنين منها ومن خطبها وممارساتها.
والسؤال الذي يتعين طرحه عقب بهدلة الأحزاب السياسية من طرف الملك هو الآتي: كيف نُقيم الديمقراطية ونبنيها دون أحزاب؟ وما قيمة التعددية ومضمونها بأحزاب هزيلة وفارغة المحتوى؟ ما فائدة البرلمان بأحزاب فاقدة للمصداقية؟؟ وما قيمة التشريعات والقوانين التي تصدر عن برلمان مكون من عناصر من هذه الطينة؟ وأي حكومة ستنبثق عن هذا البرلمان؟ وأي سند سيوفره لها؟ وأي رقابة سيمارسها عليها؟؟ ألا يكون هذا الواقع المزري هو الذي يكرِّس الملكية التنفيذية ويزكيها؟؟؟ ألا يؤدي ذلك إلى إقامة الحكم الفردي رغم التغني بالديمقراطية والتعددية؟؟؟
يبدو أن كل المؤسسات الموجودة في المغرب مؤسسات افتراضية، أي لا فاعلية لها في الحياة العملية للمواطنين، فسواء البرلمان، أو الحكومة، أو القضاء، أو الإدارة.. كلها أجهزة لا تؤدي على الوجه المطلوب الوظائف المفترض أنها موجودة للقيام بها، فلا البرلمان يشتغل بالشكل المطلوب، ولا الحكومة تعمل كما ينبغي، ولا القضاء يحظى بالاستقلالية التامة، ولا الإدارة توفر للفرد وللمجتمع ما يحتاجانه منها. إنها مؤسسات شبه مشلولة، والمؤسسة الوحيدة التي تبدو للمواطن موجودة ومتحركة هي المؤسسة الملكية.
من هنا يمكن فهم لماذا النسبة الأعظم من المغاربة يرفضون الانتماء والانخراط في الأحزاب السياسية، ويقاطعون الانتخابات، ويفضلون الاتجاه صوب الملك في مسعى منهم لحل مشاكلهم، وضمان حقوقهم منه مباشرة. في الماضي حين كان المغاربة يشعرون أنهم وقعوا ضحية ظلم، أو شطط في استعمال السلطة، أو استبداد قاهر، فإنهم كانوا يرددون المقولة الشهيرة: (( أنا بالله وبالشرع))، وهذا يعني أن المغربي كان لديه دائما تعلق بالقانون وتمسك به، ولقد استبدلت اليوم المقولة السالفة بأخرى هي: أنا بالله وبسيدنا.
ثقة المغاربة افتُقدت بالكامل في كل المؤسسات، ولعل المؤسسة الوحيدة التي ما زالوا يثقون بها هي المؤسسة الملكية. ولا شك أن العبارات القوية المنتقدة للأحزاب التي وردت في خطاب الملك الأخير ستعمق هذا الإحساس وسط الشارع المغربي، ففي تصريحات أدلى بها بعض من الجمهور وأوردها موقع فبراير كوم، قال أحد المواطنين: إن الخطاب دخل في قلوب المواطنين، وقالت مواطنة: الملك جابها فلوردر..
أما في ما يخص الإدارة فلقد وصفها الملك في خطابه بأنها منخورة بالرشوة والفساد والمحسوبية والبيروقراطية، وأنها ليست في خدمة المواطن، بل إنها لا تؤدي حتى ما بذمتها تجاه المقاولات الصغرى والمتوسطة، ولا تقدم لذوي الحقوق مستحقاتهم حين تقوم بنزع ملكياتهم وأراضيهم منهم لإقامة مشاريع فيها..
لقد جاء في الخطاب الملكي ما يلي: (( أكدت أكثر من مرة، على ضرورة حل المشاكل ومعالجة الملفات في عين المكان، كما أعطيت تعليماتي للحكومة، ووجهتها لاتخاذ الإجراءات الإدارية بهذا الخصوص))، متسائلا: (( فما جدوى الرسالة التي وجهتها إلى الوزير الأول منذ 2002 وما فائدة الجهوية واللامركزية واللاتمركز، إذا استمر الوضع القديم واستمرت المشاكل السابقة؟)).
يتكلم الملك في هذه الفقرة من الخطاب بمنتهى الصراحة والوضوح، إنه يقول للرأي العام إن القرارات والتعليمات التي أصدرها منذ ما يفوق 14 سنة لم تنفذ على النحو الذي يريده، والحكومات المتعاقبة منذ 2002 بما فيها حكومة بنكيران لم تسهر على ترجمة الأوامر الملكية وتطبيقها بفعالية وبطريقة ناجعة، ولذلك نفهم لماذا تصدر عن الملك أحيانا غضبات تتناولها الصحافة الوطنية، فالملك يغضب لأنه يقوم بتدشين مشاريع إنمائية ولكنه يكتشف مع مرور الوقت أن تلك المشاريع لا ترى النور ولا يتم إنجازها، ويعلم الله أين تذهب الأموال التي تصرف عليها.
وهذه هي الدولة العميقة والدولة داخل الدولة التي تشكل الإدارة قطب رحاها وعمودها الفقري والتي يشتكي منها المغاربة، ومعهم حتى الملك نفسه الذي لا يبادر، كما يبدو، إلى معاقبة الذين لا يحترمون توجيهاته ويماطلون في تنفيذ قراراته. لقد صارت الإدارة المغربية التي تضم ما يفوق 577 ألف موظف وموظفة قوة جبارة بنفوذها ومصالحها الخاصة، وامتيازاتها، وأباطرتها، وأدوات اشتغالها، وأضحت إخطبوطا وغولا يمسك برقاب المغاربة، ويتحكم في قوتهم اليومي ويحول حياتهم إلى جحيم لا يطاق وإلى معاناة يومية.
لقد صار المواطن في خدمة الإدارة بدل أن تكون الإدارة في خدمته، وصار يهاب اللجوء إليها لقضاء حاجياته لعلمه أنها لن تقضيها له إلا بعد إرهاقه وتعذيبه، ولا يملك المواطن أي وسيلة لمواجهة الإدارة الغول والأخطبوط حين تعتدي على حقوقه، فحتى إن التجأ إلى القضاء فإن الأحكام، إن صدرت لصالحه، فإنها لا تنفذ ضد الإدارة. لقد صارت الإدارة مجالا للسيبة، وصار المواطن يتوسل حقه منها أو يشتريه بالرشوة، وأصبح المغاربة في وضعية الرهائن لدى الإدارة رغم أنهم هم الذين يؤدون رواتب موظفيها.
الكل متفق على التوصيف الدقيق الذي أعطاه الملك لواقع الإدارة المغربية، إنه تجسيد أمين لهذا الواقع، لكن ماذا بعد؟ ما العمل لمواجهته والتغلب عليه ومعالجته؟ ما هي الإجراءات والتدابير التي ستتخذها الحكومة التي ستتشكل لتنزيل الثورة الإدارية كما دعا الملك إلى ذلك؟ يتعين على كل وزير استشعار حجم المسؤولية الملقاة على عاتقه في هذا الشأن، وعليه أن يعثر لنفسه على آليات الاشتغال الكفيلة بإخراج المغرب من هذا الوضع الذي أصبحت فيه إدارته أكبر عائق من عوائق إقلاعه الإنمائي والاقتصادي.
الملك دق ناقوس الخطر ونبه الجميع إلى مكمن الداء وأصله، فهل سيبادر المسئولون الحكوميون للقيام بما يمليه عليهم الواجب الوطني والمهمة الملقاة على عاتقهم لتطوير الإدارة المغربية والرفع من كفاءتها وأدائها، وهل سيتحمل كل وزير مسئوليته لتطبيق أوامر الملك، وترتبط المسؤولية بالمحاسبة (( واللي فرط يكرط))، أم أنهم سيتعاملون كالعادة مع الخطاب الملكي بطريقة احتفالية موسمية، تم يلقونه في واد من النسيان كما فعلوا مع خطب ملكية أخرى، ثم ماذا سيفعل الملك في هذه الحالة لكي تصبح قراراته نافذة فعلا، وملزمة لكل المسئولين الذين يتلقونها؟؟؟