مهما بدا الأمر خياليا ومهما بدا متناقضا، فإن على السيد الرميد أن يشكر الصحفي حميد المهدوي الذي مكّنه من دخول سجل تاريخ المغرب وكتابة اسمه في موسوعة غينيس المغربية لـ”الكعيات”، وهي الموسوعة التي سبق للرميد أن دخلها أول مرة عبرَ تحامله وهجومه الشرس على قضاة نادوا باستقلالية القضاء: محمد الهيني، عادل فتحي، محمد عنبر، محمد قنديل، أمل حماني، وآخرين.

هكذا، وبفضل المحاكمة التي قُدِّم إليها المسؤول عن موقع “بديل” واستُعمل فيها هذا “الانجاز” و”العمل الفذ” “المتقن” الذي لم يسبق لأي وزير عدل، منذ استقلال البلاد إلى الآن، بما في ذلك سنوات الرصاص الرهيبة، أن حققه، وأقصد متابعة صحفي لأي سبب من الأسباب، حيث يصبح الوزير (الرميد) خصما وحكما.

وليسمح لي الوزير الإسلامي أن أذكره بقصة الخليفة عمر ابن الخطاب مع العباس بن عبد المطلب:

فعندما أراد الخليفة عمر أن يوسع المسجد الحرام ويضم إليه بيت العباس بن عبد المطلب المجاور للمسجد ويعوض العباس مالاً من بيت المال ثمناً لبيته، رفض العباس ذلك، مضيفا: اختر قاضياً يحكم بيني وبينك، فقال عمر: بل اختره أنت حتى لا أظلمك في الاختيار وحتى لا تقول أن عمر استعمل سلطانه، فقال العباس: إني اختار القاضي شريحـاً، فأجاب عمر: وأنا أقبل به، فقال العباس: أرسل إليه، فقال له عمر: بل أنا الذي أذهب إليه فإن القضاء لا يأتي وإنما يؤتى إليه. فذهب عمر والعباس إلى دار القاضي، فسمع منهما، وعندما هم بالنطق بالحكم قال: يا أمير المؤمنين، فقاطعه عمر: لا تخاطبني بأمير المؤمنين وإنما خاطبني بعمر فإن مجلس القضاء لا يعرف التفرقة، فقال القاضي: اسمع يا عمر، إن نبي الله داوود أراد أن يوسع المسجد الأقصى بدارٍ بجوار المسجد فأوحى الله إليه: يا داوود لا توسع بيتي بدار غيري فإن أبعد البيوت عن الحرام بيتي. فكان الحكم لصالح العباس ضد خليفة الرسول ورئيس الدولة، فلم يغضب عمر ولا عاقب القاضي شريح، وإنما أصدر قرارا بترقيته من قاضٍ بالمدينة إلى قاضي القضاة في دولة العراق كلها.

وبينما عمر والعباس منصرفان إذا بالعباس يقول لعمر: يا أمير المؤمنين اشهد الله إني تنازلت عن داري برضى نفسي لبيت الله الحرام ـ لوجه الله تعالى ـ بعد سماع الحكم حتى لا تؤخذ الدار قسراً أو قهراً.

كما أحيل وزيرنا الإسلامي على مسألة التحكيم في قضية عمر ابن الخطاب مع اليهودي فيما يخص قضية الدرع.

يجب التذكير بأن موقع “بديل” وصف في العديد من مقالاته، نفقات تنقل وزير العدل بـالـ”باهظة”، الأمر الذي اعتبرته وزارة العدل في بيان أصدرته بتاريخ 2 يناير المنصرم بـ”الافتراءات والأكاذيب التي لا أساس لها من الصحة مطلقا”، وأنها “تأتي في سياق مجموعة من الأخبار الزائفة التي أوردها هذا الموقع الإلكتروني، الذي يفتقد لأبسط مقومات العمل الصحفي المهني، في حق الوزارة وفي شخص الوزير” يضيف البيان.

نحن إذن أمام عملية تصفية حسابات، ومحاولة متعمدة لإسكات هذه البوابة (بديل) التي أصبحت مزعجة جدا للسلطة، أي المخزن السياسي والاقتصادي، والأحزاب السياسية، وأكثر من ذلك أصبحت متفشية وسط المجتمع المدني المتمخزن. بوابة (بديل) دأبت منذ إنشائها، على كشف وتعرية وتعقب الاستخدام السيئ للسلطة، واختلاس الأموال العمومية وشجب الظلم بجميع أنواعه، ودونما اللجوء للغة الخشب، يفضح الانتهازيين و”لحّاسين الكابا” الذين تقوست ظهورهم من كثرة الركوع.

إضافة إلى هذا، فموقع “بديل” أصبح ملاذا و”مخبأً” لجميع الرافضين الممنوعين من الكلام (les refuzniks)، ممن تمارس عليهم الرقابة وتُحجب تصريحاتهم في أغلب الجرائد والإذاعات والتلفزيونات.

أليست محاكمة المسؤول عن موقع “بديل” سوى الشجرة التي تخفي الغابة؟ ألم تُمْلِ هذه المحاكمة جهات عليا داخل السلطة، تتوفر على أكثر من دعامة بالجسم القضائي، تُفعِّلها متى شاءت؟ ألم تختر هذه الجهات أن تأكل الثوم بفم الرميد؟ كل هذه الأسئلة وغيرها تبقى معلقة، لكن المؤكد هو أن هذه المحاكمة لا يمكن إلا أن تروق من يحركها، عملا بمقولة: “لم آمر بها ولم تسؤني” !!!

المراقبون الذين تابعوا هذه المحاكمة يتفقون على أنها كانت مشوبة بالعديد من المخالفات والانتهاكات وحالات التنافي، وهو ما أشار إليه القاضي السابق محمد الهيني في مقال له على موقع “الأول” هذا رابطه:

http://alaoual.com/chroniques/23962.html

مخالفات وانتهاكات وحالات تنافي أجبرت دفاع زميلنا للانسحاب من المحاكمة.

هذه التجربة أيضا فضحت انحلال الجسم الصحفي المغربي، وأبانت عن أنه جسم يعُجّ بالجبناء، حيث أغلب أعضائه الصحفيين يبحثون عن خلاصهم الفردي، عبر الكيل بمكيالين وتبادل المصالح، والدوس بالأقدام على المبادئ والقيم النبيلة التي اهتدت بها الصحافة الوطنية فكانت لها نبراسا في أحلك الأوقات منذ حكم الحسن الثاني.

يوم الاثنين 20 يونيو 2016، إذا لم يستجد طارئ، فإن القاضي حسن السعداوي سيصدر حكمه باسم جلالة الملك، وسيكون هذا الحكم إغلاقا لمرحة ابتدائية من التقاضي.

يوم الاثنين ستوجه ضربة أخرى لحرية التعبير. يوم الاثنين سيتم ليُّ ذراع الصحافة أكثر في “أجمل بلد في العالم”. يوم الاثنين ستصدر الإدانة للمرة الألف، إدانة العدالة المغربية، وسنقرأ الفاتحة على روح استقلالية القضاء المغربي، للمرة الألف.

وكما قال صديقي الحكيم خريشفة: نهلاً من الأدب السلطاني: “عندما يتخلى الملك عن العدل، تتخلى الرعية عن الطاعة”، مضيفا: “يْلا شفتيهم كيحسّنو لجارك فزّك لحيتك.. أمولا نوبة”