مصطفى يوسف اللداوي

لن يطول عمر جامعة الدول العربية، ولن يستمر اسمها، أو يرفع علمها، وسيأتي اليوم الذي تنهار فيه منظومتها، وتتفكك أجهزتها، وينتهي دورها، وتصبح جزءاً من الماضي، وإرثاً ثقيلاً متعباً من القرن المنصرم، وحاجة قامت بوظيفتها، وأدت ما عليها في مراحل تاريخية مختلفة، ثم آن الأوان لحلها، والتخلص من أعبائها، والتحلل من التزاماتها، والتحرر من بعض قيودها.

 

فقد عافتها بعض الدول العربية وكرهتها، وشعرت بأنها قيدٌ عليها، وعبءٌ ثقيل على كاهلها، وكلفةٌ مالية ترهق خزائنها، وأنها عقبة تحول دون حركتها، وتحبس حريتها، وتمنعها من التعبير عن سياساتها، وتجبرها على السير بسرعة الأضعف، والالتزام بإرادة الأقوى والأكبر، بينما تتوق كثيرٌ منهم لأن تكون حرةً غير مقيدة، ووحيدةً غير ملتزمةٍ بجماعةٍ أو إطار.

 

وهي التي لا تلتئم اجتماعاتها، ولا تنعقد قممها إلا بعد جهودٍ مضنية، ووساطاتٍ كثيرة، ومغرياتٍ كبيرة، ثم يغيب بعض قادتها، وينوب عنهم غيرهم، في محاولاتٍ لإظهار الغضب، وبيان الاختلاف وعدم والرضى، بعد مساعي حثيثة لتدوير الزوايا، والقفز على كل القضايا، وتجاوز ما يثير البعض، ويستفز الآخرين، لتأتي القرارات مهلهلة فضفاضة، عامة لا تعبر عن حاجات الأمة، ولا تلبي أماني شعوبها.

 

يبدو أن الربيع العربي وما قد أصاب الدول والشعوب العربية من ويلاتٍ ودمار، وكوارث ونوازل، قد عجل بوصول الدول العربية إلى هذه القناعة، إذ بدا لهم أن الجامعة العربية إطارٌ ضعيف، ومؤسسة مشلولة، لا حول لها ولا قوة، ولا أفق أمامها، ولا استراتيجية حقيقية لها، ولا يبدو أنها قادرة على استيعاب المتغيرات، والتعاطي مع المستجدات، والاستجابة إلى التحديات.

 

إذ ظهر عجزها من قديم في قضايا كثيرة، ولم تتمكن من فعل شئٍ، أو تقديم مساعدةٍ، أو اقتراح حلولٍ لما يواجه الدول العربية من مشاكل وهمومٍ وتحدياتٍ، بل تركت المجال رحباً، والباب واسعاً للمنظمات الدولية، والدول الكبرى لأن تتدخل في الشؤون العربية، وأن تقرر وحدها، أو تملي على العرب قرارها، بمشورةٍ أو بدونها، ولكنها كانت في النهاية هي التي تقرر نيابةً عن العرب، وبدلاً عن حكوماتهم، وتلزمهم بما ترى ولو كان مناقضاً للمصالح العربية، ومخالفاً لأنظمة ولوائح جامعتها.

 

فقد أظهرت الجامعة العربية عجزها الشديد أمام الأزمة الصومالية، وتركت الدولة الفقيرة الضعيفة تتمزق وتتآكل، وينهش لحمها المتقاتلون والمتحاربون، ويغزوها الأقربون والأبعدون، حتى أصبحت مرتعاً للقوات الأمريكية تارةً، وللأثيوبية تارةً أخرى، كما اجتاحتها القوات العسكرية للإتحاد الأفريقي، الذي حاول أن يفرض حلوله الأفريقية، بعيداً عن الدول العربية التي ينتمي إليها الصومال، ديناً ولغةً وقومية وهوية، وما زال الصومال حتى اليوم غارقاً في همومه، ممزقاً بين قواه، ومشتتاً بين الجيران والخصوم، حتى غدا بؤرةً للإرهاب، وقاعدة للقرصنة والحرابة، والخطف والسرقة والقتل وغير ذلك.

كما أنها فشلت عن استيعاب الأزمة السودانية، ووقفت تتفرج على الدولة العربية الأكبر وهي تتمزق وتتشظى، وينسلخ جنوبها عن شمالها، ويكاد تنفصل أطرافه الأخرى عن الدولة الأم، وتركته يئن وينزف، ويتلقى الضربات والطعنات، في الوقت الذي استفردت فيه القوى الدولية وهو الضعيف، وبدأت تكيل له الإتهامات، وتوجه إليه الطعنات، وتصدر في حقه الأحكام، وتفرض القيود على حكومته، وتصدر الأحكام في حق قيادته، وتطالب باعتقال رئيسه، ومحاكمة مسؤوليه، بينما أفاضت على الانفصاليين بالسلاح، وأغدقت عليهم بالعطايا، وربما استعان الغرب بمال العرب ليضعف السودان، ويقوي المعارضة، ويعجل بالفصل الذي كان حلماً بالنسبة لهم وأملاً، وقد صار وتحقق.

ثم عجزت الجامعة العربية عن استيعاب الأزمة اليمنية وهي الأسهل عربياً، والأكثر قبولاً للحلول العربية، إلا أنها لم تتمكن من اقتراح حل، أو طرح تصورٍ ينقذها من مأزقها، وينتشلها من حمأة الاضطرابات المستمرة التي تشهدها، وتنازلت عن دورها وواجبها لصالح مجلس التعاون الخليجي، الذي حاول طرح حلولٍ خليجية ليحول دون انتقال لهب الثورة اليمنية إلى دوله، وليمنع عدوى وسيل الربيع العربي من غزو بلادهم، والعبث في أوطانهم، ولكنه فشل أيضاً، وعجز عن فرض الحل الذي كان الأقرب والأيسر، الأمر الذي أفسح المجال لمنظمة الأمم المتحدة، التي ساهمت عبر مبعوثها الخاص إلى فرض حلٍ ومراقبة تنفيذه، ومتابعة مراحله، ومحاسبة المخالفين والمتجاوزين له، بينما جامعة الدول العربية تقف عاجزةً على جانب المبادرة، تتفرج على ما يجري، وتتابع الأحداث، دون أن يكون لها دور أو مساهمة.

أما فيما يتعلق بالأزمة السورية فإن جامعة الدول العربية أثبتت أنها أعجز من أن تتصدر لها، أو تقترح حلولاً ناجعة تنقذها وتخلصها من أتون النار، ومرجل الثورة الذي دمرها وشعبها، وأحرقها وأهلها، وهي التي كانت في الأيام الأولى للأزمة قادرة على التدخل الإيجابي، والوساطة المعتدلة، بما يقي سوريا من خطر الانهيار، والفشل والصراع الطويل الأمد.

لكنها تقاعست أو تأخرت، وأخطأت أو انزلقت، وتدخلت وتورطت، وميعت الحلول، واتكلت على غيرها ليقوم مقامها، وينوب عنها في حلٍ ظنته قريباً، يتشابه مع ما حدث في ليبيا، حيث حسمت قوات التحالف المعركة لصالح الثورة، وسقط النظام، وانتقلت الأزمة الليبية من مرحلةٍ إلى أخرى، قد لا تقل سوءاً عن سابقتها، وكما فشلت جامعة الدول العربية في إيجاد حلٍ عربي في ليبيا، فإنها عجزت أكثر أمام الأزمة السورية، بل كانت جزءاً من المشكلة، وأحد أسباب تعقدها وتشابكها.

وتبقى القضية الفلسطينية، وهم أم القضايا العربية، وأشدها تعقيداً وصعوبة، وأكثرها خطورةً، وأقدمها تاريخاً، وهي التي يعتبرها العرب والمسلمون قضيتهم المركزية، وهمهم الأكبر، وشغلهم الشاغل، وفي سبيلها قدمت الشعوب العربية أغلى ما عندها، وأنفس ما تملك، شهداءً وأموالاً، ودعماً وإسناداً، ولكن جامعة الدول العربية التي وقفت متفرجة أمام قضايا العرب الأخرى، فإنها أيضاً خذلت القضية الفلسطينية، ولم تنبرِ للدفاع عنها وحمايتها، ولم تتمكن من وضع خطةٍ لاستنقاذها، وجبنت عن فرض حلولٍ دولية تنهي نكبتها، وتضع حداً لمعاناة شعبها الذي تشرد وتشتت.

فهل تستمر الجامعة العربية في دورها، وهي المشلولة العاجزة، الضعيفة الكليلة، المكفوفة اليد، والمقطوعة اللسان، المصادرة القرار، الخائرة القوة، الفاقدة للإرادة، الشاكية من كل علة، والنازفة في كل أزمة، أم تتفكك وتتلاشى، وتغيب وتتحلل، وتسقط وتنهار، لتحل محلها منظماتٌ أخرى، ومؤسساتٌ جديدة، قد تكون إقليمية صغيرة، ولكنها متجانسة ومتوافقة أكثر، يجمعها الخوف، وتوحدها المصلحة.