يتحكم الاستبداد في المستبد ويجعله لا يُفكِّر إلا في سلطته، ومن ثمة لا يرى في الآخرين سوى خطر عليه، فيتخلى عن واجباته تجاههم، ويكرس حياته لخدمة ذاته دون أن يعي أن في خدمة الآخر خدمة للذات، حيث ينجم عن الاعتراف بإنسانية الإنسان وحقوقه انخراطه عقلانيا وتلقائيا في حماية المؤسسات وأنظمتها... لذلك، يستحيل أن يكون للمستبدين أي مشروع للتحرر والتقدم يخدم الوطن والإنسان ويقبل التكيف والتطور عبر التاريخ. وبمرور الزمن يستنفد الاستبداد شروط وجوده لأنه، بحكم طبيعته، يَرفض الانفتاح الذي يُمكِّنه من الاعتراف بالآخر ومراجعة ذاته باستمرار حسب تطور الظروف، كما أنه يعيق الابتكار والإنتاج ويُفرِّخ الفساد والسوءات والفوارق الاجتماعية... لذلك، فالاستبداد نقيض العقل والطبيعة في آن، إذ يُدِيرُ المستبدون أمورهم بأسلوب أعمى وعنيف يُحدث الفتن ويعيق التطور والنمو، كما يقود إلى الجمود بدل الحركية والتحول والانتصار على الذات؛ فهو يصيب صاحبه بالعجز عن التفكير، فيعاني من الانحسار والعقم ويرفض التغيير الذي هو من طبيعة الحياة. 

يلجأ بعض الزعماء المستبدين إلى اغتيال خصومهم، كما قد يطردون المختلفين معهم من صفوف مؤسساتهم وتنظيماتهم، لكن ما لا يعلمه هؤلاء هو أن الموت لا يَتَغَشَّى الأحلام والأفكار المدروسة جيدا؛ فهي أكبر من سلطة المقعد، كما أن شساعة الحلم والرؤية أوسع من المؤسسات وأقوى من أموالها، خصوصا إذا كانت هذه الأخيرة منغلقة ولا تقبل الاختلاف...
الفكر مثل الهواء، أو العطر، أو ينبوع ماء يتدفق بهدوء ويخترق الطبقات الجوفية للمجتمع، وقد يفاجئنا بطلوع نباتات وزهور وأشجار تُثمر في كل جانب. وكلّما ترسخ هذا الفكر وانغرس بشكل عقلاني في أعماق المجتمع جدَّدَ روحه واستطاع التخلُّص من الطحالب والطفيليات، وبالتالي لا يمكن طرد الأفكار القوية أو اعتقال الحلم المشروع واغتيالهما، إذ قد ينتصران على قيود خصومهما، خصوصا إذا كانا يستجيبان لمرحلتهما التاريخية...
إن ما يغيب عن المستبدين هو أن الناس قد خُلِقوا من أجل الاختلاف، إذ لولاه لما تقدمت البشرية؛ فهو يُمكِّن من تبادل الأفكار المختلفة وتلاقُحِها وتمازجها وتغيّرها... وبذلك، فهو سبيل اجتراح أفق جديد للنمو والاستمرار في الحياة، وأداة تنمية المعرفة والحضارة البشريتين باستمرار...
من السائد في بيئتنا التقليدية ذمّ الاختلاف وخنق الأنفاس، حيث لا تعي الأغلبية الساحقة المعجونة بالاستبداد أن الأفراد والزعامات والجماعات والمؤسسات التي ترفضُ الاختلاف إنما تجلس فوق بركان قد ينفجر في أيِّ لحظة، لأنه لا يمكن أن يكون هناك استقرار ما لم يُسمَح لكل الأفكار والآراء والاتجاهات بالتعبير عن نفسها عَلَنا حتى لا تعمل في الخفاء. فلابد أن يكون الناس مختلفين، إذ حتى لو استطاع المجتمع برمجة أغلبية أعضائه ثقافيا على رؤية أحادية مطلقة، فلابد أن يفلت أفراد من هذه البرمجة الثقافية وأن يكتشفوا عيوبها... لذلك، ففي منع هؤلاء من التعبير عن آرائهم إضرارٌ بالمجتمع، لأن المنع يُحَوِّل المَمنوعين إلى قنابل موقوتة قد تلحق بالمجتمع تصدعات أو تفرقعه...
قد يتساءل البعض: كيف يمكن الجمع بين الاختلاف والانضباط حتى لا يعتدي الواحد على الآخر وحتى لا تسود الفتن؟ تؤكد تجارب المجتمعات الديمقراطية أن الاختلاف ظاهرة صِحِّية، حيث تسود هذه المجتمعات حرية التعبير والاستقرار معا. إضافة إلى ذلك، فهو يشكل عاملا أساسا للتقدم والازدهار، إذ تؤكد مختلف التجارب العالمية أنه لا يمكن تحقيق تقدم على كل الأصعدة بدون حرية واختلاف. فالمجتمعات المنفتحة هي التي استطاعت أن تنمو لأنها لا تنظر إلى الأفراد بكونهم نسخا من بعضهم البعض، وتدرك أن لكل فرد فرادته ومميزاته، ما منحها تعدُّدا وتنوُّعا شكَّل عامل إغناء لها، فعرفت تغيُّرا مستمرا أكسبها استقرارا وازدهارا.
يتعارض الانفتاح والحوار جذريا مع الاستبداد لأنهما يفضيان إلى نقد الذات والآخر معا، ما يمكننا من تبادلات تؤدي إلى إدراك جيّد لهما يتجسد في مراجعات فكرية تجعلنا نتغير ونتقدم... فضلا عن ذلك، لا يمكن إحراز أي توافق أو اتفاق بدون حوار حول كل القضايا التي تهم حياتنا، إذ لا فعالية لما يُفرض علينا. لذلك، عندما يسود الانفتاح يكون الحوار والتفاوض، ما يفضي إلى معاني نبيلة وقرارات معقولة تلتزم بها كل الجهات المختلفة في الرأي. فالانفتاح يفضي إلى الحوار وتقبُّل النقد الذي يؤدي بدوره إلى بروز الذات القادرة على التعاقد وبناء مؤسسات يقبلها الجميع...
يتسم وضع مجتمعات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بكونه بالغ السوء الناجم عن جعل السلطة قيمة محورية في ثقافتنا، ما أصاب مجتمعاتنا بالانغلاق الثقافي والعجز عن الوعي بالتصورات الثقافية التقليدية التي تتحكم فينا وتشكِّل عائقا في وجه إدراكنا للواقع وللذات والآخر وللزمان والمكان... ما يعني أن مشكلتنا ثقافية نجمت عنها كوارث سياسية واقتصادية واجتماعية... لذلك، فمجتمعاتنا في أمس الحاجة إلى تغيير ثقافي يُحدثُ قطيعة مع البنيات الثقافية التقليدية التي تعيد إنتاج الاستبداد والجمود الذي يهدد بفناء الإنسان والمجتمع والوطن...