لا يجادل اثنان في أن حكومة السيد عبد الاله بنكيران المنتهية ولايتها هي حكومة التراجعات على المكتسبات بامتياز، فإذا كانت هذه الحكومة قامت بتمرير مجموعة من المخططات اللاشعبية التي عجزت جميع الحكومات السابقة في تنزيلها و أدى ثمنها المواطن البسيط، منها رفع الدعم عن المواد الأساسية عبر الغاء صندوق الموازنة و الزيادة في تعريفة فواتير الماء و الكهرباء من أجل انقاذ المكتب الوطني للماء و الكهرباء من الانهيار و توفير 52 مليار درهم من جيوب الفقراء و المستضعفين تضخ في ميزانيته... دون أي محاسبة أو فتح تحقيق لمعرفة سبب انهيار هذه الصناديق، فهذه الحكومة كانت كذلك أداة في ذبح الوظيفة العمومية و تعميق أزمة صناديق التقاعد و وأد حلم اصلاح المدرسة العمومية المغربية.
يوم 7 أكتوبر 2016 يوم اجراء الانتخابات التشريعية بالمغرب ، و قبل ساعات فقط من دخول الحكومة المنتهية ولايتها فترة تصريف الأعمال، و في غفلة من عموم المغاربة و خاصة متتبعي الشأن التربوي، حيث كان الرأي العام الوطني و جزء كبير من الرأي العام الدولي، منصب على تتبع مجريات الانتخابات ببلادنا، أقدم كل من وزير التربية الوطنية و التكوين المهني و وزير الاقتصاد و المالية على ارتكاب جريمة تاريخية في حق الوظيفة العمومية و المدرسة العمومية و في حق أبناء و بنات الشعب المغربي، و قاما بتوقيع اتفاق غير مسبوق في تاريخ المنظومة التعليمية، يهم و لأول مرة في التاريخ توظيف الأطر التربوية و الادارية بوزارة التربية الوطنية بعقود محدودة المدة.
و يأتي هذا القرار الحكومي الأرعن و الخطير، في سياق رزنامة قرارات اتخدت من طرف الحكومة الملتحية، كلها تهدف الى تخريب الوظيفة العمومية و الاجهاز على مكتسباتها، و للأسف هذا القرار الأخير ستكون له تداعيات أخطر و أعمق ليس فقط على الوظيفة العمومية فحسب، بل سيؤثر كذلك على الصندوق المغربي للتقاعد و سيعمق أزمته، كما سيعتبر آخر مسمار يدق في نعش حق الأطر العليا المعطلة في التوظيف و العيش الكريم.
ففي الوقت الذي كان جميع المغاربة ينتظرون وصفة الحكومة للنهوض بقطاع التعليم ببلادنا، و وضعها لتصور يكون بمثابة خارطة طريق ناجعة للاقلاع به من الوضع المتأزم الذي يعيشه منذ عشرات السنين و خاصة أن الأمر في الفترة الأخيرة استفحل و أصبحنا أمام أقسام في مدن مثل مدينة الدار البيضاء قلب المملكة الاقتصادي النابض بمجموع تلاميذ يفوق 70 تلميذا، و في أقسام مشتركة يدرس فيها الأستاذ الواحد من المستوى الأول الابتدائي الى المستوى السادس، خرجت علينا الحكومة بمخطط التوظيف بالعقدة، و هو في الحقيقة مؤامرة خطيرة نسجت خيوطها ليلا، و بعناية فائقة، و في غفلة من الفاعلين التربويين و عموم المواطنين، عمق أزمة التعليم و جعل اي اصلاح له مستقبلا يبقى حلما بعيد المنال.
و يقوم هذا التوظيف بالعقدة في المنظومة التربوية، على تشغيل الأطر المؤهلة عبر الأكاديميات، بعقد محدودة الأجل و قابلة للتجديد كل سنة، كما تقول المذكرة التي نشرتها وزارة التربية الوطنية و فعلت من خلالها نص الاتفاق الموقع بين وزارتي المالية و التربية الوطنية، أن الأطر المتعاقدة ستستفيد من جميع حقوقها الاجتماعية و من راتب لا يقل عن أجور الموظفين العاديين، كما أكدت المذكرة بأن هذه الأطر لا يحق لها مستقبلا المطالبة بالادماج في الوظيفة العمومية، و لكي تقطع الشك باليقين على المترشحين طالبتهم بتوقيع التزام و المصادقة عليها يقرون فيه بعدم مطالبتهم مستقبلا بالادماج في الوظيفة العمومية...
و عند الاطلاع على نص الاتفاق و المذكرة المؤطرين لهذا التشغيل و التمحيص فيهما، تجد أن وزارة التربية الوطنية و الحكومة بشكل عام، بصدد ارتكاب جريمة مكتملة الأركان في حق الوظيفة العمومية و في حق التعليم و ابناء و بنات المغاربة و في حق كذلك الأطر العليا المعطلة و خاصة المؤهلة تربويا و التي تناضل منذ أكثر من 7 أشهر في الشارع من أجل حقها في التوظيف و في الحقيقة هي معركة من أجل المدرسة العمومية و مكتسباتها.
و الحقيقة الضائعة، أن هذا النوع من التشغيل الحاط من كرامة الأطر المتعاقدة و الذي يخلق تمييز سلبي بين نساء و رجال التعليم، سيجعل الأستاذ مجرد مياوم يقوم بعمل يومي يتقاضى عليه أجرا و محروم من جميع حقوقه كموظف مع الدولة و خاصة الحقوق الاجتماعية، و هو في الحقيقة توظيف شبيه بنظام السخرة البائد
ابان فترة الاستعمار حيث كان يتم استعباد المغاربة و استغلالهم ابشع استغلال من طرف المستعمر الفرنسي، و بعد ان دحر شرفاء الوطن في الجبال و الصحراء المستعمر من ارض المغرب و طردوه خارجا، يريد بلمختار و بنكيران تطبيق انظمة استعمارية على أبنائهم...
و من مخاطر هذا التشغيل و التي تحاول الوزارة جاهدة اخفاءها بالمذكرة التنظيمية و تمويه المغاربة بالحديث عن ضمانات في الحقوق للمتعاقدين، ان هذا التشغيل لن يكون أبدا مضمونا على الأقل على المدى البعيد حيث ان الميزانية المخصصة له غير قارة في قانون الميزانية، بل هي ميزانية خاصة استخلصت من ميزانية الأكاديميات بشكل اسثتنائي و فور نفاذها ممكن في أي لحظة أن يجد المتعاقدين انفسهم في الشارع مشردين بمعية أبنائهم و أسرهم. كذلك تقول المذكرة ان المتعاقدين سيخضعون للصندوق الجماعي لمنح رواتب التقاعد و ليس للصندوق المغربي للتقاعد، و هذا سيعمق أولا أزمة الصندوق المغربي التقاعد حيث سيقلص ساكنته النشيطة و سيجعل الفئات النشيطة التي تغذيه محدودة جدا و في تناقص متزايد كل سنة، خاصة مع الهروب الجماعي للموظفين نحو التقاعد بشقيه النسبي و الكامل، و هذا يكذب مزاعم الحكومة بخصوص اصلاح صندوق المعاشات المدنية. ثانيا، هذا القرار يجعل الأطر المتعاقدة لا تستفيد من حقوقها في التقاعد بشكل متساوي مع موظفي الوزارة العاديين و ذلك بحكم أن معدل احتساب هذا الصندوق السنوي هو 2 % و ليس 2,5 % كما أنه يعمل بالسقف المحدد في أداء المعاشات و هو محدد في 70 % فقط، يعني مهما اشتغل المتعاقد من السنين لن يمنح له أكثر من 70 % من المعاش، كما يعمل بنظام الحد الأقصى للمعاش.
و الخطير في التوظيف بالتعاقد، هو أنه يضرب مبدأ دستوري مهم، يعتبر من ركائز دستور 2011، و هو مبدأ المساواة و تكافؤ الفرص، فعندما تقرر وزارة التربية و معها الحكومة، أن توظف أطرا تربوية و إدارية بعقود محدودة المدة و قابلة للتجديد بضمانات ضعيفة و هشة، و توظف كذلك أطرا بنفس الشهادات و نفس المواصفات و يقومون بنفس المهام بشكل عادي و تضمن لهم حقوقهم المنصوص عليها في النظام الأساسي الخاص للوظيفة العمومية، و سيتم توظيف هذه السنة 5000 إطار بعد تقليص العدد المنصوص عليه في قانون مالية 2017 و المحدد في 8000 منصب مالي بعد اقتطاع 3000 منصب لفائد الأساتذة المتدربين. ألا يشكل ها خرقا فضيعا للدستور المغربي و الاتفاقيات الدولية المطالبة بضرورة المساواة بين جميع المواطنين في الحقوق الاقتصادية و الثقافية؟ ألا يعد ذلك ضربا للمبدأ الدستوري المتعلق بخلق أجواء لتكافؤ الفرص بين جميع المواطنين في المباريات و الاستحقاقات؟
هناك نية مبيتة واضحة المعالم للاجهاز على المنظومة التربوية ببلادنا، و الاتيان عليها بشكل نهائي و فرض على عموم المغاربة توجيه أبنائهم للمدارس الخصوصية.
و ما يؤكد سوء نية الوزارة و الحكومة، هو رغم توفرها على الامكانيات المادية و حسب منطوق المذكرة و كما تدعي، سيستفيد المتعاقدين عن نفس حقوق الموظفين العاديين، قررت أن تتنصل من هذا التشغيل و تفوته للأكاديميات و تضع في وثائق ملف الترشيح التزاما يفرض على الموظفين عدم مطالبتهم مستقبلا بالادماج في الوظيفة العمومية، و هذا يعني أنه و في حالة ما قررت الأكاديميات توقيف التعاقد مع الأطر و عدم تجديد العقد، لا يحق لهؤلاء الأطر المشردة مطالبة الوزارة بإيجاد حل لوضعيتهم و ادماجهم.
و لهذا، يبقى هذا التشغيل، ضربة موجعة للوظيفة العمومية و محطة تاريخية في مسلسل تخريبها. فبعد محطة التقويم الهيكلي سنة 1983 و ما خلف من كوارث على الوظيفة العمومية و على القطاعات الاجتماعية التي يستفيد منها المواطن البسيط و الفقير، ثم برنامج المغادرة الطوعية سنة 2005، حيث تم افراغ الادارة المغربية و المؤسسات العمومية من الأطر المؤهلة، اطلقت حكومة بنكيران رصاصة الرحمة على الوظيفة العمومة بقرار التوظيف بالتعاقد، حيث ستحول رجل تعليم الى مياوم مؤقت، مسلوب الحقوق، في وضعية مهنية غير مستقرة. كما سيعمل هذا التوظيف على وأد حلم اصلاح المدرسة العمومية.