جامع سموك

مازال سؤال الجدوى من نشر المعدات العسكرية في بعض المناطق والأماكن الاستراتيجية حسب منظور المسؤولين كما لو أن الوطن من شماله إلى جنوبه ليس استراتيجيا. وقد أثار هذا الإجراء الاحترازي فضول العديد من المواطنين المغاربة الذين لم يألفوا من ذي قبل على مثل هذه اليقظة، علما أن " ظاهرة التهديد" كان دوما أمرا قائما، وما تفجيرات 16ماي 2003 التي هزت مدينة الدارالبيضاء إلا مثال على ذلك.

ومما لا شك فيه أن السياق الراهن والذي تشهده المنطقة المغاربية والمتسم بالتوثر وارتفاع حدة الصراعات والاقتتال الداخلي بين أبناء الوطن الواحد، كما هو الشأن في ليبيا، واستحضارا للاضطرابات الإجتماعية التي بدأت تلوح في الأفق في كل من اليمن ومصر كلها عوامل تنذر بقدوم ربيع مغاربي بطعم آخر وبمطالب ربما أكثر من تلك التي رفعت فيما قبل ، خصوصا في ظل تجاهل الحكومات القائمة للمطالب المشروعة للشعوب مما سيؤدي إلى تغيير الخريطة الإستراتيجية للحراك والذي سيمهد الطريق لتغلغل ما يسمى "الدولة الإسلامية" إن لم تكن مجرد قناع اصطناعي لمشروع الشرق الأوسط الكبير.

إن إمكانية حدوث ربيع مغاربي في صيغته الثانية لا يبدو مستبعدا خصوصا في ظل استمرار نفس الأسباب والظروف التي أججت شرارته الأولى،وبالرجوع إلى الحديث عن التحدي الخارجي للمغربـ يتبادر إلى الدهن سؤال حول حقيقة هذه التهديدات وما مدى جديتها وهل هي تهديدات نوعية وظرفية خصوصا في ظل تجاهل مصدرها؟
أسئلة وغيرها يطرحها العديد من المواطنين المغاربة الغيورين على وطنهم والصادقين في وطنيتهم وليس أولائك المواطنين بالإنتساب فقط الذين اكتسبوا المواطنة بالأقدمية دون الأصول.

أولا : راهنية التهديدات الخارجية
إن أسباب الإرهاب الخارجي مرتبطة بالتنافس والصراع الدوليين من طرف القوى الخارجية التي تمارس بشكل مباشر أو غير مباشر ضغوطا على دول معينة لإرغامها على إتباع نهج أو سياسة ما، مما يولد حالة من العدائية والصراع لدى طبقات واسعة لنفس الدولة وبالتالي إثارة وإشاعة روح الخوف والتهديد في موطن معين بقصد تحقيق أهداف معينة قد تكون سياسية أو اقتصادية أو اجتماعية.

واعتبارا للظروف الآنية المشوبة بالترقب والحذر والتي عجلت بإخراج العتاد العسكري في المغرب ووضعه في تأهب واستعداد لما ستسفر عنه الأيام المقبلة من تهديدات إن كانت فعلا،فإن تمة تساؤل يطرح عما إذا كانت هذه الظروف تتسم بالديمومة أو بكونها لحظية عابرة .

ومما لاشك فيه أن تعدد الخيارات وتجدد الإستراتيجيات الدولية والإقليمية والوطنية دفعت إلى إعادة صياغة الخريطة الجيواستراتيجية ،وذلك بإدماج دول ومناطق كفاعلين جدد فرضت نفسها اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا على الدول الكبرى التي أصبحت ملزمة بتأمين مصالحها المهددة من قبل هذه القوى الوافدة وهو ما يؤكده استمرار وجود نظام اقتصادي دولي غير منصف من خلال استغلال للموارد الطبيعية الوطنية للدول الفقيرة والنامية، والذي ينجم عنه تدمير أسس حياة شعوب هذه الدول، أضف إلى ذلك الظلم والإستغلال السياسي والإجتماعي والمؤديان حتما إلى الفقر والمجاعة كما هو الشأن ببعض البلدان الإفريقية التي تعاني من مجاعة رغم توفرها على ثروات طبيعية هائلة .

كما أن لحالات التنافس والصراع الذي تشهده الساحة السياسية الدولية دورا كبيرا في تغذية التهديد الخارجي أو ما يسمى بالإرهاب ، أضف إلى ذلك ظلم السياسات المتبعة من قبل المؤسسات المالية الدولية كصندوق النقد والبنك الدوليين من خلال برامجهما المتمثلة في الإصلاحات الاقتصادية المشروطة باتباع سياسات معينة، وهو ما أدى إلى سوء توزيع الدخل وتدهور القدرة الشرائية واتساع رقعة الفقر والتهميش هذا فضلا عن تسجيل انتهاكات الحقوق الاقتصادية والاجتماعية .
وتشير العديد من الدراسات والبحوث في ظاهرة الإرهاب أن العوامل الخارجية المسببة للظاهرة لا تقل أهمية عن العوامل الداخلية باعتبار القاسم المشترك بينهما هو إشاعة الخوف والتهديد، وإن اختلفت آليات ممارسة هذين النوعين من الإرهاب.

ثانيا : استمرارية التهديدات الداخلية
يعيش المغرب حالة من الاستقرار في ظل مرحلة ومنطقة متسمتين بالحراك واللااستقرار، خصوصا بعد الإجراءات التي قام بها المشرع المغربي استجابة لمطالب الحراك الذي قادته حركة 20 فبراير،والمتمثلة أساس في وضع دستور 2011 الذي جاء معليا سقف الإصلاحات التي مازالت تنتظر مدبرين في المستوى حتى يتسنى ترجمة الدستور المسطور إلى الدستور المنشور على أرض الواقع.

إن التهديدات الداخلية التي تؤرق مضجع المواطن المغربي ليست أقل خطورة من التهديدات الخارجية خصوصا إذا استحضرنا منهجية تدبير الشأن العام بعد دستور 2011، والتي تنم عن جهل عن المطالب الشعبية المعبر عنها خلال الحراك السالف ذكره، وفي المقابل أصبحت لغة الانبطاح للمؤسسات الدولية المانحة هي المنهج المتبع في التدبير من طرف الوافدين الجدد إلى مناصب المسؤولية، مع العلم أن البرنامج الانتخابي للحزب الفائز في الانتخابات التشريعية لم يشر لا من قريب ولا من بعيد إلى تقديم مصلحة صندوق النقد والبنك الدوليين على المصلحة العليا للوطن والتي أصبحت لازمة ترددها مكونات الحكومة الحالية قصد تصفية الحسابات مع الشعب.

مما لاشك فيه أن الحكومة الحالية والتي يقودها حزب العدالة والتنمية (ذو المرجعية الإسلامية)، تدبر الشأن العام من منطلق السعي نحو تحسين صورة الحزب لدى المؤسسات الدولية المانحة وإعطاء انطباع على كونه حزب ذو مرجعية إسلامية صورية فقط، وقصد تبرير هذا المعطى واقعيا أصبحت أوامر المؤسسات الدولية المانحة تنفذ حرفيا وبدون تماطل عكس دستور 2011 الذي تم تجاهله كليا، وهذا ما يوضح بشكل جلي تقديم مصلحة الحزب الضيقة على المصلحة العليا للوطن.

كما يعبر التباهي المستمر للحكومة بالتصنيف الدولي الذي يضعها من حين لآخر بين منزلتي التلميذ البليد والتلميذ الكسول في شتى المجالات، بمثابة تنويه ضمني مؤقت مشروط بالسمع والطاعة لتوصيات البنك وصندوق النقد الدوليين، وهذا ما يسعى الحزب الحاكم إلى تعزيزه وتقويته لصالحه، لكي ينال رضى وثقة الدول الغربية في ظل تنامي ما يسمى"الجماعات الجهادية" ولما لا الفوز لولاية ثانية وثالثة ولو على حساب رهن مستقبل الوطن ووضعه تحت رحمة المؤسسات الدولية المانحة .

إن الأسباب الداخلية للتهديدات تكمن في المشاكل المختلقة والمؤدية إلى ظواهر معقدة تجرد المواطن من وطنيته وترمي به في أحضان الجماعات وتجعله مريدا لأصحاب الأفكار الهدامة، فعلى سبيل المثال لا الحصر تؤدي السياسات الاقتصادية غير المتلائمة مع الواقع الاجتماعي للدولة إلى ارتفاع منسوب البطالة مما يندر بانفجار الوضع إذا لم تتخلى مؤسسة رئاسة الحكومة عن شخصنة قضايا الشباب المغربي، وهذا الوضع المتأزم يولد شعورا بالعجز واليأس والإحباط لدى هذه الفئة، مما يشجع الجماعات المتطرفة والإرهابية عل تقديم أموال كثيرة مقابل أعمال تخريبية وإرهابية يستشعر معها الشباب انهم يقومون بعمل ما رغم عدوانيته و دمويته ولكنه بالنسبة إليهم عمل هادف يستحق الجهد المبذول فيه، ذلك أن الشاب الذي لا يجد له فرصة عمل يكون هدفا سهلا لمختلف الجماعات المتطرفة دينيا أو سياسيا أو عصابات النصب والاحتيال والسطو المسلح.

وقد يؤدي سوء توزيع الثروات إلى وجود خلل في العدالة الاجتماعية وإلى فرز قدرا متعاظما من الظلم الاجتماعي الجماعي والحرمان النسبي لدى شريحة واسعة من السكان، مما يخلق حالة من الغضب والنقمة لدى فئة المهمشين تجاه البورجوازية ، ومما لاشك فيه أن الفساد الإداري هو الآخر يفتح الباب على مصراعيه لجميع أنواع صور التهديد الداخلي كحالات السلب والنهب وعمليات الاختطاف المنظمة المصحوبة بدفع فدية مالية معينة تستخدم لتمويل عمليات إرهابية على الصعيد السياسي .

وفي الختام، يبدو أن التهديد أو الإرهاب بشتى أنواعه سواء كان مصدره خارجيا أو داخليا، وبغض النظر عن ديمومة أسبابه أو لحظيتها تبقى ممكنة التجاوز شريطة تحقق الرغبة في تعميم العدالة الاجتماعية المفضية إلى خلق مجتمعات سلمية تؤمن بالآخر ككائن مشمول بالكرامة الإلهية، بغض النظر عن عقيدته وايديلوجيته في الحياة. وبعيدا عن الأطنان من المزايدات السياسوية التي لا تفيد ولو في صنع مخيط صغير فالتهديد الداخلي يبقى نتاج سوء تدبير الشأن العام في شموليته .

جامع سموك