مع اقتراب موعد الامتحانات الاشهادية للباكالوريا المغربية، تتزايد الحملات الاعلامية حول ظاهرة الغش في الامتحانات، وتجتهد وزارة "التربية والتعليم" في إبداع أشكال جديدة من الرقابة والمراقبة التي تعتقد أنها ستحول دون استعمال الغش من طرف المترشحين للامتحانات..
مذكرات وزارية و وصلات إشهارية وحملات تحسيسية وإعلامية.. واجتماعات إعدادية ليوم "يعز فيه التلميذ أو يهان" كما هو شائع.. ملصقات تغطي فضاء المؤسسات التعليمية تنص على كون الغش جريمة يعاقب عليها القانون، وتجرم استعمال جميع الوسائل غير المشروعة سواء كانت تقليدية(أوراق مصغرة..) أو حديثة ومتطورة (الهواتف واللوحات الالكترونية..).
الجديد برسم دورة 2015 كما أخبر بذلك جميع الأساتذة والمتدخلين في عملية الحراسة هو توفير آلة للتفتيش والكشف عن الهواتف النقالة واللوحات الالكترونية بكل مراكز الامتحانات سواء في المجال الحضري أو القروي، لتعزيز المراقبة وكشف التلاميذ الذين يخفون "أسلحة الغش الشامل" المدمرة، والهدف حسب التعبير الرسمي يتمثل في ضمان تكافؤ الفرص، وتحقيق النزاهة، والحفاظ على القيمة العلمية والتربوية لشهادة الباكالوريا، وتعزيز التنافس الشريف والمتكافئ بين جميع المترشحين.. وغيرها من الشعارات..
سميتها شعارات!! لأنها وبكل بساطة شعارات طنانة تبهر وتغري سامعيها وقراءها ،شعارات تعتبر مثلا وغايات وقيما يا ليتها تتحقق في واقعنا السياسي، الاجتماعي، الاقتصادي.. وليس فقط التربوي..
السؤال الذي يؤرقني ويؤرق بال العديد من الفاعلين في الحقل التربوي بالمغرب، هو هل ستمكننا هذه الاجراءات والتدابير "الأمنية" من وضع حد لظاهرة الغش؟؟
هل سننجح فعلا في تحقيق كل تلك الشعارات التي ضمنتها الوزارة في مراسلاتها وحملاتها الاعلامية والتواصلية؟؟
هل تكفي هذه المقاربة وسلسلة الاجراءات المذكورة للقضاء على الغش؟؟
أم أن الواقع يقول عكس ذلك؟؟
الواقع المر.. والمبكي له رأي آخر..
التلميذ المغربي يعيش ضمن مجتمع يؤثر فيه ولا يمكنه التجرد من واقع مجتمعه بسهولة، والمجتمع كما يعلم الجميع تسوده قيم متعارضة تماما مع جملة تلك الشعارات المرفوعة حول "النزاهة وتكافؤ الفرص والعدالة.."، فكل تلاميذنا يرون مظاهر الزبوينة والفساد والرشوة والعلاقات النافذة التي تسري في كل ثنايا الحياة الادارية للمؤسسات العمومية والخاصة.. التلميذ المغربي يتجه للمصالح الادارية للحصول على شهادة الاقامة أو عدم العمل أو عقد ازدياد، ويطلب منه الموظف المسؤول عن تقديم تلك الخدمة رشوة يغلفونها بطعم "قهوة" سوادها بريء منهم..
التلميذ المغربي يرافق أباه في السيارة ويعيش عن كثب وقائع تقديم أبيه أو أمه لرشوة لدركي أو شرطي مقابل عدم تحرير مخالفة تم ارتكابها..
التلميذ المغربي له أخ أو أخت حصل على شهادات عليا، لكنه في حالة عطالة، لأنه لا يملك مبلغا ماليا يسعفه في ولوج سوق الشغل..
التلميذ المغربي يتابع مهازل الانتخابات الجماعية والبرلمانية، ويرى بعينيه الأوراق النقدية التي تشترى مقابلها أصوات الناخبين..
التلميذ المغربي يعي تمام الوعي أنه يعيش في مجتمع فاسد، منافق، منخور، لا أخلاق له ولا قيم، مجتمع مريض وجاهل، يتمنى في كل ليلة وصباح أن يغادر حدود هذا الوطن الذي لم يقدم له سوى البؤس والتعاسة والقرف.. يحلم في سباته وفي يقظته بالهجرة إلى عوالم تزرع الأمل فيه وتحيي بداخله تلك الإرادة التي قتلتها فيه الأيادي التي رسمت ماضيه وحاضره وستحطم أحلامه المستقبلية..
التلميذ المغربي يا سادة ليس مجرما.. ليس فاسدا.. ليس شيطانا..
التلميذ المغربي نتاج لسياساتكم.. ضحية لفسادكم..
فبدل مراقبته، راقبوا ذواتكم وراجعوا سياساتكم.. حاسبوا رؤساكم.. وحكامكم..