لا تعني مُطالبتي بعدم أَدْلَجَةِ الدِّين وتسييسه أنني ضد الدِّين، فأنا أحترم كل الديانات وأدافع عن حقوق المُتَدَيِّنين. لكني ضد تحويل الدِّين إلى مؤسسة أيديولوجية وسياسية، لأن ذلك يُقحمه في تفاصيل الحياة اليومية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية، ويحوِّله إلى أداة عنف ويُفقده معناه.
ينبغي أن يقوم التغيير على الحريات وحقوق الإنسان وتحرير المرأة، إذ لا يمكن أن يتقدم مجتمع يُكبِّل المرأة. حيث إن تجريد الإنسان من حقوقه، في هذه المرحلة من التطور الثقافي والاقتصادي والاجتماعي، غدا أكثر عنفا مما كان عليه في السابق.
ولتصور أي تغيير يجب أن ينخرط المجتمع بكامله فيه وينجزه، ويقومَ بقطيعة مع المفاهيم والثقافة والقوى التي تعوق تقدمه، ويحرصَ على الاستقلال الكامل لقراره وعمله والحيلولة دون أي تدخل للقوى الخارجية في عملية الإصلاح والتغيير...
لكن للأسف، فكل القوى التي رفعت شعار التغيير، في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، ثم وصلت إلى السلطة لم تتمكن من توفير الشروط الآنفة، ففشلت وتحولت إلى أنظمة مستبدة تسببت في إشعال نيران الفتن القَبَلِية والطائفية وتفتيت الأوطان.
ثم إنَّ الفرد، باعتباره كائنا حرا مستقلا وسيد نفسه ومصيره، لم يوجد بعدُ في الحياة السياسية لمجتمعاتنا، إذ يقوم كل شيء على العائلة، أو القبيلة، أو الطائفة، أو المذهب، مما يجعل مشكلتنا تكمنُ في طائفية بنياتنا المجتمعية وقَبَلِيتها. فبالنظر إلى أفراد الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بمعزل عن مجتمعاتهم نجدُ بينهم متفوقين في كل الميادين داخل البلاد وخارجها. لكن بالنظر إلى منطقتنا بكونها مجتمعات تنعكس الآية، إذ نجدها في أسفل قائمة مجتمعات العالم، لأن الفرد عندنا لا يزال يُقَوَّم على أساس انتمائه العائلي أو القَبَلِي أو الطائفي وليسَ بكفاءته أو مواهبه أو عبقريته الفردية. فالفجوة بين الفرد والمجتمع في حياتنا لم تُردم بعد لتبقى الغلبة للانتماء الجماعي القبلي الديني المذهبي على الانتماءات الأخرى. وطالما لم تتغير هذه الثقافة فسيظل التحديث والبناء ديمقراطي مستحيلين.
يزعم البعض أن الشارع يتبنى تسييس الدِّين، ولكن بالرجوع إلى الوراء قليلا نجد أن الشارع في منطقتنا لم يقم إلى حدود ستينيات القرن الماضي ولو بمظاهرة واحدة تأييدا لاتجاه ديني مَّا. فأدلجَة الدِّين وتسييسه وفقر المجتمع وجهله وأخطاء السلطة والزعامات الحزبية وتدخل القوى الخارجية... هي التي هيَّأت الظروف لظهور الإسلام السياسي في أغلب مجتمعات منطقتنا. ولو درسنا واقع الإنسان عندنا لوجدنا أنَّ ما يعنيه ويشغله في المقام الأول ليس الأيديولوجية الدينية، بل حياته اليومية وتعليم أبنائه وضمان مستقبلهم...
أضف إلى ذلك أنه لو أعطيت للشعوب الحالية الفرصة لاختبار نفسها في معركة مدنية ما بعيدة عن صراع الهويات لما خافت من جماعات الإسلام السياسي. لكن قد يثير التعصب الكثيف حربا أهلية أكثر خطورة من الاستبداد ذاته.
ويرى آخرون أن لـجماعات الإرهاب التكفيري مؤيدين، وأنَّ هناك من يلتمس لها أعذارا... لكن التيارات المتطرفة لا توجد في منطقتنا وحدها، إذ توجد حتى في بلدان متقدمة، كألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وغيرها. ولظهور التطرف عوامل تاريخية خاصة بكل مجتمع، ويوجد في مجتمعاتنا الكثير من العوامل المهيِّئة لنشوء مثل هذه الظاهرة.
ومع ذلك، لو قمنا بدراسات إحصائية دقيقة لوجدنا أن الجماعات المتطرفة لا تمثل نسبة هامة في المجتمع؛ فالشارع عندنا في غالبيته متديِّن بالمعنى السمح، ومنفتح بالمعنى الإيجابي، وليس متديِّنا بالمعنى الإيديولوجي العُنْفِي. لذا ينبغي عدم مماهاة المسلمين بدعاة الإسلام السياسي أو مماهاة المجتمع بالسلطة. لكن هناك أقلية متطرفة مزعجة قادرة على التوسع ونشر الإرهاب إذا تلقت دعما أجنبيا وتوفرت لها ظروف داخلية مؤسسية وسياسية واقتصادية واجتماعية وثقافية...
يقتضي بناء مجتمعاتنا على المواطنة تمتيع المرأة والرجل بحريتهما واستقلالهما الذاتي، وهذا يقتضي الفصل بين ما هو ديني خاص بالفرد، ويجب احترامه والدفاع عنه، وما هو سياسي اجتماعي وثقافي ولا علاقة له بالدِّين. فالدِّين تجربة روحية يجب احترامها وحمايتها والاستفادة منها دون إقحامها في الشؤون الدنيوية وتفاصيل الحياة اليومية.