طبل و زمر و هرول العديد من الفاعلين بمختلف ألوانهم و أطيافهم للخطاب الملكي الذي قدمه الملك محمد السادس في 30 يوليوز 2014 بمناسبة عيد العرش ال15، و الذي دعا فيه العاهل المغربي إلى ضرورة تسليط الضوء على قيمة رأس المال غير المادي للمغرب و التشديد على ضرورة الاستناد عليه كمعيار أساسي لوضع السياسات العامة لكي يستفيد المغاربة من ثرواتهم.
و إذا كانت الخطب الملكية، في العديد من المناسبات، تحمس العديد من الفاعلين في حينها، إلا أن استحضار مضامينها أحيانا، لا يتم إلا من أجل الاستشهاد بها عند الحاجة أو الركوب عليها. و هذا يعكس قمة الانتهازية التي يعتبرها البعض رصيدا لقضاء المآرب أو تلميعا لصورة مزيفة.


فرغم ما يستحقه موضوع الرأسمال غير المادي من أهمية، و رغم ما يطرحه من نقاش عميق علمي و كوني، و رغم الظرفية التاريخية التي جاء فيها خطاب الملك، ظل (الرأسمال اللامادي المغربي) يبحث عن انتزاع شرعيته من الطموح السياسي و النظري، و ظل ينتظر النظر إليه كواقع يومي يهدم المسلمات و يمسح الغبار عن عيون النفاق الاجتماعي، لتشجيع الحوار و النقاش كإحدى الركائز الأساسية في حياتنا اليومية القائمة على فلسفة الحوار.


إن ما نسمعه و نقرأه و نراه من خلال بعض و سائل الأعمال و قنوات التواصل و بعض الفاعلين السياسيين و الجمعويين حول فيلم نبيل عيوش "الزين اللي فيك" و عروض مهرجان موازين، يجعلنا أمام أزمة حقيقية عنوانها الجهل بالتراث الفكري و الفلسفي و معطيات العقلانية و الحداثة، و تشجيع الثقافة التقليدية الجمودية و التحريض على الكراهية و العنف.


لقد صدق عالم المستقبليات "بيتر شفارتز" في تعليقه على خيارات المستقبل و تحديات التغيرات القادمة، حين قال: " بالنسبة لأولئك الذين لا يحبون التغيير كان أفضل وقت ليولدوا قبل العام 1800 أو كان عليهم التريث حتى حلول العام 2050".


فعلى ضوء ما حصل من صراع في "السوق السياسية" المغربية حول مطابقة و مماهاة بين الفني و السياسي، يجب الإقرار بالعديد من مواضيع الخلاف و الاختلاف التي تطالبنا جميعا بالعودة إلى الحوار، وأقصد الحوار الديمقراطي لضمان تفاوض عادل و منتج. خاصة و أن المشهد الثقافي و السياسي المغربي بات في الآونة الأخيرة يعيش أزمة حقيقية تتجلى في صمت المثقفين و النخب الأكاديمية المستقلة.


أن الاحتكاك بين الفني و السياسي قيل عنه الكثير في العديد من المناسبات، و هو موضوع قديم قدم الزمن، و شكل قاعدة من قواعد البحث السوسيولوجي و الانثربولوجي لدى العديد من أئمة هذه الميادين، أما المهم هو البحث عن المشترك بين الناس و القبول بالآخر كم هو و مقاربة المفاهيم و محاكمتها و تصحيحها كي تصبح أداة صحيحة للممارسة، لكي لا نترك الساحة للغوغاء و لمن يبحث عن أنماط الوساطة الرجعية بين فئات الفاعلين الأساسيين في المجتمع.


نعم، قد يختار المثقف الالتزام بهذه القضية أو ذاك، و قد يتمهل في إصدار أحكامه، و قد يصمت، وقد يتهرب..، و لكن هناك ضرورة تاريخية لا تنتظر أي كان و لا تأبى الفراغ. و ليس باسم الخوف من "الهيحان" و التوترات الاجتماعية الشديدة الناتجة عن غياب الحوار و قيم التسامح و احترام التعددية الثقافية و مرجعياتها و دعامتها المادية و اللامادية، يمكن الانحناء و الانبطاح للجهلة و أصحاب المنفعة الحالمين بخلق محاكم التفتيش في المغرب.
نعم، إن رجل السياسة كان دوما غير راضي عن الفن و الإبداع، و كلما نفذ صبره (الضيق) طالب بالطلاق وبات يشرع المنح و المنع.
إن الخطير في التعاطي مع فيلم نبيل عيوش و مهرجان موازين، هو محاولة إنتاج ماكينة التعصب الفكري أو السياسي بالمغرب، و هو ما يترجم في الواقع من خلال خطاب رديئ معادي للمغرب و لرأسماله المادي و اللامادي.
و معلوم أن كل عمل فني أو أدبي كيفما كان نوعه، يستحق النقد و النقاش و الحوار، و ليس الإدانة و السب و الشتم و التكفير. فلا ينفي اليوم أحدا أن القيم الثقافية التي خلقتها البروتستانية، يرجع لها الفضل في خلق الرأسمالية التي خلقت الثروة و اقتصاد السوق. و لا يخفى علينا كذلك، أن القيم الثقافية هي التي أسست العقلانية الاقتصادية و الحداثة الديمقراطية، أوكما يقول أنصار الأنثروبولوجية الثقافية: " إن الثقافة هي قياس كل الأشياء".
قد يكون من المجدي ترك الفرصة للنقاد السينمائيين و للمهتمين و الضالعين في الفن السابع أن يقولوا كلمتهم، و أن يجيبوا على الأسئلة التالية:
* من كتب السيناريو؟ هل هو نبيل عيوش أم المجمتمع المغربي في لحظة تاريخية تحتوي وقائع و أحداث و ظواهر إجتماعية مغربية؟
لقد قال يوما ما السينمائي ايزنشتاين: "لسنا نحن الذين نصنع سينمانا لكن الزمن الثوري هو الذي يصنعها، و يصنعنا".
و لهذا في انتظار الجواب عن هذه الأسئلة من طرف ذوي الإختصاص، لن نلوم الدهماء إذا تكلمت، و لن نحاسب المرجئة على إيمانها، و لن نسائل المتنطع على ذكائه الزائد، و لن نجاحد الناصح المغفل في كلامه.
لكن، ربما آن الأوان ليرجع المثقف من منفاه الاختياري لوطنه لنبني معا المستقبل الوضاء لشعبنا، لأنه لا يستحق التدجين بالترغيب أو بالترهيب.
إن ما عاشه المغاربة في زمن الجمر و الرصاص، جعل أهل الثقافة و الفكر في "حرب استنزاف" مستمرة مع السلطة نظرا لتواجدهم في مقدمة جبهة المدافعين عن القضايا العادلة. و رغم ذلك، كانوا ( أهل الثقافة و الفكر) من بين من وضعوا اللبنات الأولى لمغرب الحداثة و الديمقراطية، و هو ما جعل أجيال بكاملها أمام امتحان عسير تدور أسئلته حول روح الابتكار و التربية على الحرية و إقامة المجتمع السياسي على التعاقد بين إرادات أفراد أحرار.
و اليوم، يعتبر تراث هذه المرحلة جزء من الذاكرة الجماعية و خزان من مخازن الرأسمال اللامادي في المغرب! و لكن من أجل الإسراع بوتيرة و بتقوية آليات الحماية في مجال حقوق الإنسان و مسار النضال التطوعي من أجل حرية التعبير و الرأي و الصحافة، و إشراك المجتمع المدني في أوراش التغيير، و نبذ مختلف أنواع العنف الاجتماعي، لا بد من التفاوض الجاد و المسؤول حول ما يتسم به المجتمع المغربي من وحدة و تنوع ثقافي. و تعتبر الثقافة كفكر إنساني و كأسلوب الحياة مدخلا حقيقيا و ضروريا للمصالحة مع المجتمع، لأنها (الثقافة) تحولنا إلى يشر و ترتقي بنا إلى المستوى الإنساني. بل أكثر من ذلك، هناك من السوسيولوجيون من يعتبر أنه من غير الثقافة لن تكون لنا لغة نعبر بها عن أنفسنا.
من الطبيعي أن نتوقف عند سؤال الثقافي و علاقته بالسياسي، في ظل و اقع أزمة المشروع السياسي المجتمعي العاجز على إعادة المشروع الثقافي بعد انهياره اليوم.
قد نخطئ في الإجابة، لأننا نعيش شروط أزمة ناتجة عن عدم القدرة على إخضاع الرأسمال اللامادي إلى مساءلة تقويمية، حتى نعرف أسباب العجز و المرض. كما قد نعجز عن الإجابة عندما تدفن الأسئلة الحقيقية في ضباب الصراع، و حين تغيب الأسئلة التي تحاول الاقتراب من السببية الاجتماعية التي تولد الأزمة.
أخيرا، إلى جانب الآثار المباشرة التي خلقها النقاش العقيم بخصوص ظاهرة فيلم "الزين اللي فيك" و ظاهرة موازين، تبرز اليوم مخاوف عديدة من التيارات السياسية المحافظة التي تحاول الانقضاض على مكتسبات فئات واسعة من فئات الشعب المغربي، و في مقدمتها الدعاية العملية للتحريض المباشر (أحيانا) ضد النساء و التشجيع على خلق هيئة "الأمر بالمعروف و النهي عن المنكر" بدل التشجيع على التربية و التعليم و محاربة الجهل باعتباره العدو الرئيسي الذي يفتح الباب للعودة إلى الجاهلية.