لقد حاولت منذ مدة أن أتخلص من نواقص الوظيفة السياسية التي اخترتها عن طواعية في إطار الالتحام مع ثلة من الرفاق و الأصدقاء، من منطلق تبني مغامرة نقدية و مجهود جبار لفهم الظواهر الاجتماعية و الثقافية أكثر من أي وقت مضى.
و تضمن هذا الاختيار الإيمان العميق بتوجهات و تطلعات و طموحات قد تكون وسيلة لتطوير تجربة سياسية قائمة على فرضية التغيير المنشود و الحتمي.

و اليوم أتساءل بصوت مرتفع: عن أي تغيير يجب أن نتحدث؟
لم يكن انتقالي من موقع تجربة سياسية إلى أخرى من أجل البحث عن موقع ما من مواقع دائرة "المعارضة الرسمية"، أو الاختباء وراء أسوارها من أجل تبرير ممارسة سياسية يشتبه فيها أن تكون تحريضية تدعو للاحتجاج على غلاء المعيشة و البطالة و مطالبة بتعميم الحق في الصحة و التعليم و الشغل و السكن و احترام حقوق الإنسان و إطلاق سراح الطلبة المعتقلين و غيرهم من المناضلين المعتقلين في قضايا سياسية، و إعمال آليات المناصفة و العدالة الاجتماعية و إقرار الحريات الفردية و الجماعية في المجتمع.
كما أدرك اليوم تمام الإدراك، أن اختياراتي السياسية، و رغم الصعوبات الناشئة في المحيط السياسي التي انتمي إليه؛ تدفعني إلى ضرورة البحث عما تنطوي عليه السمات الثقافية العامة من بدائل و ما يختفي تحتها من خصوصيات حتى يمكن فهم الثقافة السياسية السائدة في حد ذاتها و تكامل أجزائها.
و قبل الجواب عن سؤال التغيير، لا بد من طرح المشكلة الأساسية المتعلقة بالسلطة السياسية في بلدنا و التي تظهر في شخص "أفراد" أو "مواطنين" أي باعتبارهم "أشخاصا سياسية" كما يسميهم نيكوس بولانتزاس. و إذا كانت هذه السمات من سمات الدولة الرأسمالية التي تبدو دولة شعبية تقوم مؤسساتها على احترام مبادئ الحرية و المساواة و لا تستمد شرعيتها من المشيئة الإلهية، فإن التغيير المنشود في بلادنا لازالت تتفاعل فيه العديد من العوامل الاجتماعية و الثقافية (بوصفها حصيلة تاريخية) ذات الطابع المركب و المتناقض لعملية التحديث (القبيلة، الخكم المركزي، المعتقدات و الشعائر و السوق...).
كما لا بد من التذكير بطبيعة المجتمع و الذي يعتبره علماء الاجتماع ميدانا للتنافس الاجتماعي، حيث تتنافس الجماعات حول الثروة، و القوة، و المكانة. و هذا ما نعيش مثله في المغرب، حيث نجد الجماعات التي تحكم الدولة، هي الجماعات التي تفرض إرادتها و تتحكم في توزيع موارد المجتمع.
إن الاستمرار في النضال في سبيل تحقيق التغيير و تأمينه يعتبر أمرا لا غنى عنه من أجل التقدم، لكن الأمر هنا يحتاج إلى تحديد شامل و متقن و دقيق لطابع التيارات الإيديولوجية و مضامينه و علاقاتها و تحولاتها و تأثيراتها على ضوء موقعها و دورها في جهود انجاز مهام التغيير المنشود.
إن الاندفاع الرئيسي الذي حرك و لا زال مسارنا، موجه بشكل واضح ضد المواقف الرجعية و النظريات الماضوية و الايديولوجية الظلامية، أي تلك الأقسام من الدولة العميقة المرتبطة أوثق ارتباط بالنمط الاجتماعي و الثقافي المعادي للتغيير.
إن مهمة المقاومة السياسية و الإعلامية المستمرة في تجربتنا، نريد أن تصب تأثيرها باتجاه إحداث تغييرات في ميزان القوى لمصلحة التواقين إلى التغيير. و يتعلق الأمر هنا بفضح و دحض أعداء الديمقراطية و خوض نضال إيديولوجي ضد القيم العدوانية المناهضة للتغيير، و ضد النزعة الظلاموية بكل تياراتها القومية و العنصرية و المتطرفة.
و في إطار بحثنا المضني لمحاولة فهم الوظيفة السياسية التي اخترناها كما قلت في مقدمة المقال، لا بد من التأكيد على أننا لا نقف موقف الشك و الرفض من نهج المجابهة. كما أننا عازمون على قول حقيقة مواقفنا من كل ما يجري للقوى المناضلة الصاعدة خاصة قوى البرجوازية الصغيرة و أقسام من فئة المثقفين و الطلبة و الفنانين، من أجل تطوير و أغناء عقلية بديلة ديمقراطية و حداثية.
إن هذا التعاطي مع موضوع التغيير، هو تمرين على إثارة الجدل ضد إيديولوجيا الحرب ضد التغيير و المعاداة العدوانية لما راكمه الشعب المغربي من تضحيات جسيمة، و هو كذلك البحث عن أساليب للتعامل مع المواقف السياسية و الإيديولوجية للقوى المشاركة في صنع التغيير.
إن الأمر لا يتعلق هنا فقط بتأثيث المشهد السياسي بالأحزاب السياسية للجواب على سؤال التغيير المنشود، بل أن الأمر يتعلق بتناول جميع القضايا الأساسية في مجتمعنا: فمنها ما يتعلق بالتقدم الاجتماعي و بمستقبل المغاربة، و منها ما يتعلق بالمشاكل المرتبطة بالجوار و المحيط القطري و العالمي. و في هذا المجال يكتسب الصراع الفكري حول البرنامج الاجتماعي و الثقافي الذي يجب أن نؤمن به و ندافع عنه أهمية متزايدة الآن و أكثر من أي و قت مضى.
و في الأخير، و في إطار النبش و التواصل مع "النباشين" حول العنوان الرئيسي الذي اخترناه للأجزاء الثلاث لمقالنا، و الذي حمل عنوان "المهنة أستاذ جامعي ...و الصفة مستشار"، و جدت جزء من ضالتي في ما كتبه ذات يوم السوسيو لوجي اللامع، المرحوم اللامع بول باسكون، عن الجامعيين و الباحثين في نص "الغاية من علم الاجتماع القروي" -من ترجمة مصطفى المسناوي-، حيث قال: " أما الجامعيون و الباحثون و رجال القلم فيفيضون في الخطاب و ينشرون و يطبعون من أجل نصب المعالم المحددة لحقلهم، و ضمان موقعهم فيه، و الترقي ضمن تراتبية هرمية، و مضاعفة رأسمالهم الرمزي و البشري و العيش على الريع المباشر و غير المباشر لهذا الرأسمال، ريع مباشر بئيس هو ريع حقوق المؤلف، و متواضع هو ريع محضاراتهم الجامعية؛ و ريع غير مباشر هو ريع الحظوة ضمن هيئتهم و حزبهم و مجتمعهم، و ريع الكوكبة الدولية (من ندوات و محاضرات و دعوات و بعثات)".
إنه دور نعتز به من منطلق مساهمة الأستاذ الباحث في مهام إنتاج المعارف العلمية و التكنولوجية و الإبداع و الانفتاح على العالم و المساهمة في الحياة الديمقرطية و تقوية النسيج الاجتماعي، و تطور الممارسة الثقافية و الدعوة لاحترام الرأي و التربية على المواطنة و ممارسة النقد البناء من أجل تغيير ما يمكن تغييره في إطار السلم و السلام.
إن شرعية مثل هذا الخطاب، لا يؤكدها الأولياء و تراجمهم، بل هي امتحان مستمر لا نريد منه لا قبة و لا حوش أو مقام، سوى
المساهمة في توفير حلول لا يمكن أن يرفضها أي من الفاعلين الديمقراطيين.
.