مكالمة أوزين الهاتفية المسربة من طرف مهاتفه، وهو ابن عمه ودراعه في حملته الانتخابية. لا تغدو ان تكون سوى تحصيل حاصل سياسي ليس بجديد عن مفهوم الدولة العميقة وفلولها السياسيين، وليس بغريب عن ابناء الشعب الذين خبروا هيئتهم الحربائية، وليس بغريب أيضا في أوساطهم هذه القذارة في الخطاب، التي تؤكد فعلا ان لا أخلاق في السياسة ان وجدت هذه الأخيرة طبعا. 

القراءة الممكن وضعها لهذه المكالمة ستكون مجردة من الحميمية والعفوية المنشودة، كما ادعى المهاتف به الوزير السابق صديق الإذاعات وبرامج الشو وصديق الشوهات.. بل على العكس لكل شيء قراءة تحمل دلالات سيكولوجية وسوسيولوجية وسياسية في اخر المطاف.

فحيث انطلق رنين المكالمة اجاب المهاتف له بسرعة منقطعة النظير معه في سياقات أخرى، حيث ان من عادة المسؤولين ان يتعذر الاتصال بهم او ان يجيب مكانهم احد، إلا أن الأمر هذه المرة له تداعيات سيكولوجية مفادها اشتياقه الجامح لمكالمة من هذا النوع، خصوصا وأن الأمر فيه تفاوض على مشروع الانبعاث السياسي بعد الاعفاء الذي طاله ذات مرة. لذلك حالته النفسية كانت كحالة السمك المعاد إلى الماء. فرغم تريثه وأخده حيطة وحذر عندما طلب معاودة المكالمة (قطع قطع).. لضبط معالمها جيدا، إلا انه وقع في فخ الثقة العمياء كالتي نقع فيها معهم، وذلك لم يأخد من رده الأسف والأسى معتبرا في تصريحه البعدي ان المكالمة عادية وخيانة المهاتف عادية من منطلق التجربة..

دارت أطوار المكالمة حول تزكية مفترضة في الدائرة 2 و أن (التخطيط) تم على ما يرام، والتزكية ستنتزع و لا تعطى من قبل رئيس الدائرة. بتكلفة عشاء فاخر. حينها لا يحق لرئيس الدائرة ان يعرف مصير التزكية، وعندها الكل سيخرج منها (كبيرا). بشرط ان تمر مكالمة الاتفاق في ظروف سرية..

إلى هنا يتضح الأمر ان الخبث السياسي هو العنوان الأبرز وان خدمة الوطن هي خدمة المصلحة الشخصية والتنافس السياسي لا محل له أمام لغة النفوذ و سياسة الأرض المحروقة. أطوار المكالمة عرجت على فضح واقع مجتمعي خطير جدا عندما تم الاتفاق على جلب 20 فرد من دوار (درعو) ودوار (كُرامة) في إطار التزكية دائما بعقلية 12 شاهد. والأكيد ان في جلب هؤلاء الضحايا أو المتواطئين ستكون لغة الزرود وشراء الذمم وشهادة الزور... قائمة بذاتها. ما يعني ان اللعبة فاسدة بالاثبات في مجتمع لم ينفع معه التحسيس والتوعية، لأنه لا سلطة له على نفسه ولا سلطة فوق سلطة المال. مع العلم أن المتجارة بالناس تندرج ضمن البيدوفيليا المتقدمة حيث تجاوزنا الاغتصاب الجسدي إلى الاغتصاب المعنوي و المجتمعي..

سب وشتم في المكالمة تراوح بين مصطلحات قدحية نخبوية عندما تعلق الامر بزملاء في الخيانة الانتخابية بنعتهم "سالوبار". وانحدرت المصطلحات إلى أرذل المقام عندما تغير السياق وتعلق الأمر بمن هم دون تلك المرتبة ونعتهم أبناء الزنا، ما يبرز حنكته وفهمه الجيد لتدرج الخطاب وأقلمت المصطلحات مع السياق اخدا بنصيحة لكل مقام مقال. وخلف كل هذا لم يكن للسب والقذف محل من الاعراب سوى مكبوتات سيكولوجية، تدفعنا للبوح بأن تلك المصطلحات القدحية السافلة يسمعها هو الاخر من طرف مرؤوسوه أو من هم أقوى منه نفوذ.. واقع نظيره في اجهزة السلطة.

وردت كلمة (شفار) في اواخر المكالمة أكثر من مرة في عربدة خمرية لسياسيين اخرين من نفس الطينة، وفي ملاسنات سابقة، مفادها ان الاتهام هو متبادل ضمنيا والكل يعترف انه (شفار) بل التنافس كل التنافس في من سيحافظ على الصفة. فلا دعي لسب الاخرين بما فيكم.

جاء تشديد الوزير السابق في ذات المكالمة على مرتين لضرورة ان يبقى الحديث في السر حتى لا تفسد الفرحة، وفي التشديد عدم ثقة طرف في طرف، رغم صلة القرابة. ما يعني ان الانشقاق إلى حد (بيع الماتش) قائم بذاته على هذا المستوى، ما يدل على ان الحزب مخترق وعديم القيادة والتدبير وان القبضة ليست بيده..

والحاصل ان هناك طرف ثالث فوقي يتبنى التشويش بطريقة علمية من هذه المكالمة التي نحن بصدد تحليلها وممارسات أخرى ذكرت وما خفي أعظم، إلى أن يصل من كتب لهم في دواليب المخزن ان يصلوا لتدبير الشأن الخاص في لباس عام. وفق أجندات معلومة رصد له منهم قادرين على تعبيد الحقول لزراعة مرحلة جديدة. (فما لكم كيف تحكمون).