في هذا المقال المُثير والغني بمُعطياته، يتساءل الدكتور عبد الوهاب التدموري، رئيس "منتدى حقوق الإنسان لشمال المغرب" عن سر تخلي المؤسسة الملكية عن حزبي "الإستقلال" و"الإتحاد الإشتراكي" رفم أن هذين الحزبين ظلا هما صمام الأمان لهذه المؤسسة.
ويتساءل التدموري عن مدى قدرة المؤسسة الملكية على النجاح بعد توشيح بنسعيد آيت يدر؟

وهذا نص المقال كاملا:

تعاليق الأوسمة


تعددت الآراء والمواقف في شان توشيح سي بن سعيد ايت ايدر من طرف الملك، لكن ما اود قوله في هذا الموضوع هو ان الملكية في المغرب ،وهي توشح هذا الاخير ،فهي تعترف و تنعي في نفس الآن اخر رموز الحركة الوطنيةالتي عملت علي تثبيت هذه المؤسسة، ومن خلالها العرش لمرحلة ما قبل وما بعد اوفاق اكس ليبان، حين كانت هذه الاخيرة في أقصى مراحل ضعفها، وحين تخلت الحركة الوطنية المتنفذة آنذاك عن كل مطالب الشعب المغربي المتمثلة في التحرير الشامل والاستقلال الكامل وصياغة دستور ديموقراطي متعاقد عليه يضمن الحق في الديموقراطية والعدالة الاجتماعية والمساوات، وهي نفسها المطالب التي نناضل وتناضل جميع الحركات الاحتجاجية من أجلها حاليا، بل عمدت أكتر من ذالك الى ممارسة كل اشكال الانتهاكات في حق أقطاب مشروعية تاريخية اخري ممن يتمتلون هذه المطالب، ولو أن ازالة مؤسسة العرش لم تكن واردة حتي لدى هؤلاء ،وان ماكان مطروحا لديهم هو شكل المؤسسة التي نريد لدولة الاستقلال .وهو ما سبق وأن عبر عنه محمد حسن الوزاني سنة 1947 حين طالب بملكية برلمانية حيث الملك يسود ولا يحكم وهو الموقف الذي ادي عليه الثمن غاليا من طرف نفس اقطاب الحركة الوطنية المتنفذة التي يشكل بن سعيد ايت ايدر أحد رموزها الاخيرة ، والرد القاسي عليه من طرف الاستاد المهدي بن بركة والاستاد علال الفاسي الذي ذهب الي حد التشكيك في ولاءه للوطن وللملكية، فخندقته هذه القوي مباشرة ان ذاك، في صف المدرسة الخطابية التي كانت قد شكلت لها وللقصر دوما ، أرقا تاريخيا حتي من زمن الكتلة الوطنية مع الاسف وهو ما نستقيه من دباجة رسالة المطالبة بلا صلاحات التي قدمتها هذه الاخيرة الي المقيم العام الفرنسي.

اني أتفهم جيدا توشيح سي محمد ايت ايدر لكونه احد الرموز الاخيرة لهذه الحركة الوطنية المتنفذة التي أضاعت على الشعب المغربي، فرصا تاريخية كثيرة من اجل الانعتاق والحرية، أولها كان قبل وبعد اوفاق اكس ليبان وآخرها مع حكومة التناوب التوافقية، واعتبرت دائما أن مشروعيتها من مشروعية المؤسسة الملكية، والعكس صحيح، وان صراعها مع المؤسسة في مراحل معينة، كان صراعا من أجل حقها في السلطة السياسية والاقتصادية وذلك دائما علي خلفية وفائها المطلق وغير المشروط للعرش، ودورها التاريخي في تثبيته، وليس من اجل ترسيخ نظام حكم سياسي ديمقراطي من خلال دستور متعاقد عليه، يقر بكون الشعب مصدر السيادة والسلطة. لكن ما لا افهمه هو تخلي المؤسسة، ولاول مرة منذ الملك الراحل محمد الخامس والراحل الحسن التاني، الذي التجأ في آخر أيام حياته الى نفس الأقطاب من أجل ضمان انتقال سلس للسلطة الى ولي عهده الملك محمد السادس حاليا، رغم الجفاء الظاهري الذي شاب علاقته بهذه المؤسسات الحزبية التي ترعرع في احضانها ودرس على اقطابها، عن هذه القوى المنتسبة للحركة الوطنية المتنفذة وهو ما يتجلي الآن في الوضع المأساوي، الذي لا أظنه يخفي عن المؤسسة الملكية، الذي يعيشه كل من الاتحاد الاشتراكي و حزب الاستقلال اللذان شكلا دوما صمام الأمان للمؤسسة الملكية، رغم كل الصراعات التي شابت علاقاتهم في مراحل سياسية معينة.

فهل يمكن اعتبار هذا غفلة من المؤسسة الملكية؟ أم هو طلاق مرحلي يمكن استدراكه، أو تاريخي من أجل القطع مع كل اتفافات العرش السابقة، والتأسيس لمرحلة تعلن الملكية من خلالها عن بداية استقلاليتها والتنصّل من جميع التزاماتها السابقة مع الحركة الوطنية المتنفذة ؟وهل يمكن اعتبار ان ما راكمه محمد السادس في اعادة هيكلته للمشهد السياسي كفيل لضمان استمرار العرش بلا اعتماد على فاعلين سياسيين جدد لم يتم بعد اختبار ولاءاتهم، هذا في زمن تشكل فيه المؤسسة الملكية الفاعل السياسي والاقتصادي الوحيد والأوحد ؟ وفي مرحلة هي من أكثر المراحل تعقيدا على المستوي الاقتصادي والسياسي والاجتماعي والثقافي. إن السؤال إذن أعمق من التوشيح، وما التوشيح إلّا مظهرا من عملية هندسية سياسية يتحكمها الانفراد المطلق، وبولاءات ونخب جديدة، بالسلطة الاقتصادية والسياسية في المغرب، و التأسيس لمشروعية بديلة تقطع مع المشروعيات التارخية السابقة. فهل ستنجح المؤسسة الملكية في ذلك؟