أكد عبد الوهاب التدموري، رئيس "منتدى حقوق الإنسان بشمال المغرب"، " أن العملية الانتخابية لا تعكس وعيا عاما بأهمية هذه الأخيرة بقدر ما تعكس ولاءات تحت ضغط الحاجة ولو اكتسبت ظاهريا غطاء دينيا عند العدالة والتنمية، وأن ما كان يمكن أن يميز الاستحقاقات الجماعية الأخيرة، هي الانتخابات الجهوية علاقة بما اصطلح عليه بالجهوية المتقدمة".

وقال التدموري، الفاعل السياسي والجمعوي، في تصريح لـ"بديل" : "إذا اعتبرنا أن فساد الممارسة السياسية في المغرب التي هي من فساد الدولة والأحزاب، يفسر إلى حد كبير العزوف الواسع للمواطنين والمواطنات عن المشاركة في العملية السياسية برمتها بالشكل الذي يقوض أسس ما يمكن أن نصطلح عليه بالديمقراطية التمثيلية في بلادنا، إنه كذلك يبرر من وجهة نظرها ونظر الدولة استعمال جميع الوسائل الحاطة بالكرامة الإنسانية من أجل استمالة أصوات الناخبين من جهة والرفع من مستوى المشاركة السياسية من جهة أخرى"، معتبرا "أن نمط الاقتراع في المغرب الذي تفننت وزارة الداخلية في هندسته لا يسمح لأي حزب بأن ينال الأغلبية المطلقة وذلك بالرغم من نسبة المشاركة الضعيفة التي تتشكل مع الأسف الشديد في مجملها من فئات اجتماعية هشة إضافة إلى فئات واسعة محتلة لأرصفة المدن والأحياء أو ممتهنة لكل أشكال التسول والمهن الرخيصة الحاطة بالكرامة، وهو ما يفرض كذلك على هذه الأحزاب غالبا عقد تحالفات تعكس بدورها غياب المنطق السياسي لديها ولو في حدوده الدنيا وغياب الانضباط للقرارات المركزية في هذا الشأن بالنسبة لنخبها المحلية والتغاضي عنه من طرف قياداتها الوطنية مما يحول الكثير من هؤلاء المنتخبين إلى بضاعة خاضعة للعرض والطلب والتهريب أحيانا مع الأسف".

وعن الأجواء التي مرت فيها العملية الانتخابية قال رئيس نفس التنظيم الحقوقي، "إن العملية الانتخابية كسابقاتها مرت في أجواء سياسية يميزها فساد اللعبة الديمقراطية برمتها والتي هي من فساد الدولة والأحزاب السياسية المؤثثة للمشهد وللمؤسسات الدستورية"، مضيفا أن العملية "اتسمت بالاستعمال المكثف للمال الحرام من أجل شراء الذمم واعتماد الأعيان واقتصاد الريع والصدقات التي تستند على مبدأ الواجب وليس لمبدأ الحق".

"هذا دون أن ننسى تدني مستوى الخطابات السياسية للأحزاب والاتهامات الخطيرة لبعضها البعض"، يقول التدموري، الذي اضاف " أن هذه الإتهامات تستوجب في البلدان الديمقراطية التي تحترم مواطنيها ومواطناتها تحريك الدولة للمسطرة القضائية في شأنها".

واعتبر ذات المتحدث " أن الكل متواطئ مع الكل. كما لا يمكننا أن نغفل كذلك أن هذه الاستحقاقات الجماعية والجهوية مرت في تجربة جديدة نسبيا بما عرفته من تعديلات طفيفة على مستوى القوانين المنظمة للجماعات الترابية بصفة عامة أو التقطيع الترابي لكن دون أن ترقى إلى تعديلات تمس جوهر العملية الديمقراطية بحيث تصبح فيه الجهة مجالا سياسيا وتنمويا وشريكا فعليا في إقرار السياسات العمومية الجهوية والوطنية".

وقال متحدث "بديل": " إن الفساد المزمن للممارسة السياسية في المغرب خلق جوا عاما يتسم بانصراف وعزوف المواطنين والمواطنات عن العمل السياسي بشكل عام بعد أن فقدوا الأمل في العملية السياسية برمتها، وهو ما تجلى أساسا في النسبة الكبيرة التي إما لم تتسجل أصلا في اللوائح الانتخابية رغم التمديد المتكرر لعملية التسجيل والتسهيلات التي رافقتها، أو لم تشارك أو قاطعت عملية التصويت والتي بلغت على التوالي حسب الإحصائيات الرسمية 14 مليون مسجل من أصل 24 مواطن ومواطنة بلغوا السن القانونية للتسجيل ومن أصل 14 مليون ناخب لم يشارك سوى 50 بالمائة أي 7 ملايين مواطن ومواطنة وبذلك تصبح نسبة المشاركة في العملية الانتخابية الحالية أقل من 30 بالمائة من المغاربة هذا دون احتساب الأصوات الملغاة والتي لا تخلو هي الأخرى من موقف يجب أن يعتبر من طرف المحللين للعملية الانتخابية، ودون أي تشكيك في الأرقام الرسمية المصرح بها".

وأكد التدموري، في نفس التصريح "ان هذه النسبة الضعيفة للمشاركة رغم ما ورد في الخطاب الملكي الأخير من حث للمواطنين والمواطنات من أجل المشاركة المكثفة في هذه الاستحقاقات واختيار الأصلح من بين المرشحين والمرشحات، يمكن أن تفسر إلى حد كبير النتائج المحصل عليها من طرف الأحزاب السياسية المؤثثة للمشهد السياسي في هذه الاستحقاقات، بحيث أن القاعدة الناخبة إما تتسم بالهشاشة الاقتصادية والاجتماعية من جهة أو بالهشاشة الثقافية والروحية من جهة أخرى، أقول جلها وليس كلها، أو هي فئات دخلت غمار الانتخابات حفاظا على امتيازاتها ومصالحها أو من أجل إنعاش اقتصادها الذاتي وتحسين مستواها الاقتصادي وليس من أجل تدبير قائم على الحكامة الجيدة للشأن العام المحلي والجهوي".

وفي تعليق عن الفوز الذي حققه "البيجيدي"، قال الدكتور التدموي: "إن الأصوات ذهبت في جزء كبير منها لحزب العدالة والتنمية، وهو الحزب الأكثر والأحسن تنظيما من بينها، خاصة في المدن الكبرى التي تعرف كل أنواع الهشاشة وحيث يتقن هذا الأخير العمل بآلياته الموازية المغلفة بالخطاب الديني وتواصله المستمر معهم، وفي كل المناسبات الدينية والاجتماعية يقدم من خلالها الدعم المادي والمعنوي للعائلات المعوزة وهو الدعم القائم كما قلنا سابقا على مبدأ الواجب الديني وليس مبدأ الحق الموجب للمحاسبة مما يجعل من قاعدته الانتخابية قاعدة ثابتة لا تتأثر بتوزيع الأموال المناسباتية المرتبطة بالانتخابات،" إضافة إلى "أصوات كل الحركات الأصولية التي لم تشارك رسميا في هذه الاستحقاقات"يقول التدموري.

ويرى التدموري "أن وضع البجيدي في قيادة الحكومة الذي يعتبر وضعا جاذبا للكثير ممن يسعون إلى قضاء مصالحهم الشخصية ولنا كل العبرة في التجارب الحكومية السابقة، وهو ما يفسر أيضا حصول حزب الأصالة والمعاصرة على الرتبة الأولى في عدد المقاعد المحصلة عليها وطنيا إضافة إلى الأحزاب الأخرى التي خفت دورها السياسي ولو أنها حصلت على نسب مهمة من المقاعد".

ويوضح متحدث "بديل"، "أنه في الوقت الذي عملت العدالة والتنمية على الاعتماد على وضعها الاعتباري في الحكومة واعتماد الصدقات وأموال الزكاة والمال العام المخول للجمعيات من داخل الجماعات الترابية للتواصل مع قاعدتها الانتخابية على مدار السنة، اعتمدت الأحزاب الأخرى في غالبيتها وعلى رأسها الأصالة والمعاصرة على وضعها الاعتباري كحزب صديق الملك وكذا اعتماد الأعيان والمال الفاسد والامتيازات في استمالة أصوات الناخبين ولو بشكل موسمي انتخابوي مما يجعل منها قاعدة متذبذبة وغير ثابتة تتوزعها كل الأحزاب التي تعتمد نفس المنهجية في عملها السياسي".