قبل سنتين، عندما خرج علينا المدعو " أبو النعيم" ليكفر الفاعل الحقوقي والناشط الأمازيغي " أحمد عصيد"، قال رئيس الحكومة " عبد الإلاه بنكيران": " إذا أراد الناس أن لا يسمعوا كلاما قاسيا، عليهم أن يحترموا عقيدة الأمة."... وخلال الأيام الأخيرة سمعنا كلاما مماثلا صدر هذه المرة عن وزير العدل والحريات الذي قال في إطار النقاش المفتوح حول مسودة القانون الجنائي كلاما مفاده أن " من يريد معرفة حقيقة المغاربة، فليفطر علنا في رمضان"...
في الحالتين معا، يتعلق الأمر بمسؤولين حكوميين، يفترض فيهما أن يكونا حريصين على فرض القانون والعمل به، بعيدا عن المواقف العاطفية التي لا تخلو من التحريض والتهديد. ذلك أن مثل هذه التصريحات تحمل في طياتها ابتزازا صريحا لدعاة الحرية الذين يحلمون بمغرب حر وديموقراطي ينضبط لقيم المواطنة والمدنية. وهي تلمح إلى تجييش الرأي العام من أجل فرض الأمر الواقع. وعندما يتم الإحتكام إلى الشارع في القضايا المرتبطة بالقيم الإجتماعية على أساس صراع الأغلبية والأقلية، تكون النتيجة الحتمية هي ما شهدناه خلال الأيام الأخيرة من سلوكات خطيرة ( وإن بدا أنها معزولة) تهدد حريات الأفراد، وتحاول أن تصنع مجتمعا على مقاس واحد تحت مسمى: صيانة وحماية أخلاق المجتمع، وذلك في تحد واضح للقانون.
ما حدث في إنزكان (قضية التنورة)، وفي فاس (الإعتداء على مواطن بتهمة المثلية)، وفي إحدى جماعات خريبكة أيضا (محاصرة شابين بتهمة الإفطار العلني في رمضان)... يؤكد أن جينات الإرهاب والعنف لها مساحة واسعة في النسيج الإجتماعي المغربي. وهي تتغذى على خطاب التطرف والغلو وتستغل واقع الجهل والأمية وقداسة الإيمان الروحي عند شريحة واسعة من المغاربة. وذلك هو مكمن الخطر، لأن بذرة الإرهاب يغرسها خطاب التكفير والتخوين والتهديد الذي ينبغي اجتثاثه وتقويضه قبل أن يتحول إلى عنف عملي ومنظم. وبذلك تكون كل أشكال التحريض باسم الدين بمثابة دعوة صريحة لهدر الدماء، لأن التحريض والإرهاب صنوان لا يفترقان، وهما وجهان لعملة واحدة. لذلك فإن تراخي الجهات المعنية في التعامل بحزم مع الحالات المذكورة وغيرها، لن يؤدي إلا إلى ظهور بؤر جديدة لخرجات هيئات " النهي عن المنكر" على غرار ما عرفته إنزكان وفاس وخريبكة....
إن نجاح المقاربة الأمنية في إسقاط عدد هائل من الشبكات والخلايا الإرهابية منذ أحداث 16 ماي 2003، يؤكد أن أكبر خطر يتهدد المجتمع المغربي اليوم هو سرطان العنف الديني الذي ينخر عددا كبيرا من دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا. ولكن تكريس الإستثناء المغربي لا يمكن أن يتحقق إلا عبر مزيد من اليقظة والحزم في التعاطي مع الإرهاب سواء كان فكرا أو خطابا أو ممارسة. فخلايا الإرهاب النائمة ليست هي تلك التي تضبط قبل تنفيذ مخططاتها الإجرامية فحسب، بل هي ثاوية أيضا في خطاب التكفير المتسيب الذي يتنامى باستمرار، ويبدو منفلتا من الضبط والمراقبة على الرغم من كل المجهودات التي بذلتها الدولة في تنظيم الشأن الديني، حيث مازالت بعض المنابر تستخدم كوسيلة لبث سموم التكفير والتحريض دون أن يكون لها رادع قانوني.

إن الخطر الحقيقي الذي ينبغي التصدي له هو هذا السعي الذي يبديه هؤلاء الذين ينصبون أنفسهم أوصياء على إيمان الناس إلى مصادرة الحريات عن طريق التهديد والوعيد. وهنا يستعمل الدين وسيلة للتخويف والترهيب. وأكثر ما يهدد الحريات هو التوظيف السياسي للدين، لأن من شأن ردود الفعل الانفعالية التي تحاول باستمرار أن تبدو بمظهر الدفاع عن القيم الدينية وصيانتها، وتطلق نيرانها على كل رأي أو موقف مخالف، من شأنها إذن أن تغيب العقل والقانون وتفسح المجال لتنامي فكر التكفير الذي يتحين الفرص ليطل بوجهه في كل مناسبة. وفي ثقافة مقيدة بالطابوهات يصبح كل موقف أو سلوك يؤمن بالحداثة والحرية أو يتأسس على المرجعيات الكونية لحقوق الإنسان سقوطا في التغريب والعمالة... ومن تم فهو معرض للرفض والنفي باسم الدين طبعا.
من المؤكد أن سؤال الحرية لا يمكن فهمه بمعزل عن السياق الثقافي العام المؤسس للعلاقات الاجتماعية. والدعوة إلى احترام الحريات لا يعني إسقاط الحواجز وإلغاء الخطوط الحمراء. إذ لا يمكن بأي حال من الأحوال أن نتحدث عن حرية مطلقة بدون ضوابط منظمة لها. لذلك فإن أي نقاش عقلاني حول الحريات لا يمكن أن يؤتي ثماره إلا في سياق قانوني واضح يتأطر ضمن جدلية الحقوق والواجبات بالشكل الذي تفرضه المواثيق الدولية من جهة والمقتضيات الهوياتية الخاصة بالمجتمع من جهة ثانية دون وصاية أو إكراه. ومن هنا تأتي أهمية وقيمة النقاش الذي تعرفه بلادنا حول مسودة القانون الجنائي.
في المغرب يحضر الشأن الديني كمجال للتدبير السياسي شأنه في ذلك شأن كل المجالات الأخرى، إلا أن نفوذ الخطاب الديني يتعدى مستوى المؤسسات المعنية ليتدخل في مختلف تفاصيل الحياة بوصفه معبرا عن انتماء هوياتي يحكم القيم الاجتماعية وينظمها. لكن، عندما يتجاوز الدين دوره التربوي والأخلاقي يمكن أن يتحول إلى أداة للتحكم والاستبداد تصادر الحق في التعبير والحرية في الاختيار، وتعزف في كل مرة على وتر الإيمان الروحي للتجييش والاستقطاب. والحال أن الدين يجب أن يكون دافعا للتخليق والتعايش وليس وسيلة للترهيب والإكراه. فالحرية ينبغي أن تظل مبدأ لا يقبل المساس به إذا أردنا أن نؤسس لديموقراطية حقيقية.أما إذا سمحنا لأعداء الحرية بمزيد من النفوذ والغلبة، فإننا نفسح المجال يوما بعد يوم لتغلغل الطالبانية بيننا. وحينها سنكون قد صادرنا حرياتنا بصمتنا وخوفنا. ولا خير في مجتمع يخشى من الحرية.
محمد مغوتي. 12 يوليوز 2015.