التحالفات السياسية والعسكرية العربية قصيرة النفس، وغالبا لا تعمر طويلا، لانها ترتكز على المزاجية والعلاقات الشخصية بين القادة، وليس استنادا لاعتبارات وقواعد استراتيجية صلبة، والتقارب السعودي المصري ربما يكون المثال الاوضح في هذا الصدد.
فبعد عامين تقريبا من الغزل “الحميم” بين القاهرة والرياض، وتقديم الاخيرة ودولة الامارات العربية والكويت المتحدة اكثر من 30 مليار دولار على شكل منح مالية، ونفطية، وقروض، وودائع ائتمانية، بدأت العلاقات تدخل “ثلاجة شديدة البرودة” رغم التصريحات المفاجئة التي ادلى بها الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، و”اشاد فيها بالدور السعودي في خدمة الحجاج على مدار السنين، واستحالة ان يزاود عليها احد”، وذلك اثناء خطابه بذكرى حرب اكتوبر.

هناك مفتاحان رئيسيان يحكمان طبيعة العلاقة المصرية السعودية في الوقت الراهن:

الاول: الموقف من حركة “الاخوان المسلمين” والجماعات الاسلامية المتشددة بشكل عام.

الثاني: الموقف من النظام السوري والتدخل الروسي العسكري الراهن الرامي الى منع سقوطه مهما كلف الثمن.

***
اللافت ان المواقف والسياسات السعودية المصرية في حال صدام، وليس تناقضا فقط، تجاه هاتين المسألتين، حيث تقف الحكومتان في خندقين متقاتلين في مواجهة بعضهما البعض، رغم المجاملات الرسمية.

الفتور في العلاقات بدأ منذ تولي العاهل السعودي الملك سلمان بن عبد العزيز الحكم في مطلع هذا العام، حيث اثر ان “ينسف” ارث شقيقه الراحل الملك عبد الله السياسي، ويقدم على تغيير تحالفاته الاقليمية، وينخرط في تحالف اقليمي قطري تركي، مما يعني انهاء القطيعة مع حركة “الاخوان المسلمين” بكل تفرعاتها، واتخاذ موقف عدائي من التدخل الروسي لدعم النظام في سورية.

عدم مشاركة العاهل السعودي في قمة شرم الشيخ الاقتصادية للدول المانحة لمصر، ومشاركته الرمزية، ومغادرته المبكرة للقمة العربية التي تبعتها بايام في المنتج نفسه في نهاية آذار (مارس) الماضي، والغاء او تأجيل، زيارة كانت مقررة له الى العاصمة المصرية في طريق عودته من واشنطن قبل عشرين يوما، كلها تؤكد ان “الكيمياء” الشخصية والسياسية بينه وبين الرئيس المصري ضعيفة ان، ان لم تكن شبه معدومة.

عندما يكون هناك خلاف او فتور في العلاقات بين الحكومات العربية، فان التعبير عنها لا يأتي في معظم الاحيان من خلال القنوات الدبلوماسية، وانما من خلال رسائل غير مباشرة، فالحكومة المصرية تملك ارثا كبيرا في هذا الصدد، وسلاحها الاقوى هو وسائل الاعلام، ومن يتابع الصحف وبرامج التلفزة المصرية، يجد انها مليئة هذه الايام ببعض البرامج والمقالات الانتقادية للسعودية، والاكثر من هذا استقبال وزارة الخارجية المصرية لوفد يمثل حزب “المؤتمر” اليمني الذي يتزعمه الرئيس علي عبد الله صالح، عدو السعودية الاول والاخطر، واعادة بث القنوات اليمنية التابعة له مثل “اليمن اليوم” و”سبأ” و”الايمان” على قمر “نايل سات”، وبرود” الاعلام المصري وحكومته تجاه “تحرير” قوات التحالف العربي برئاسة السعودية لباب المندب مدخل البحر الاحمر.

الحكومة السعودية صاحبة خبرة اعلامية محدودة في ميدان “الردح الاعلامي”، وان كانت طريقتها في هذا المضمار، باتت تعطي نتائج عسكية، لان هذا الدور لا يليق بها ومكانتها، وبدأت اخيرا تدخل حلبة السباق الاعلامي بدور اوسع، وتوجه انتقادات مبطنة لمصر وقيادتها، وذهبت الحكومة السعودية الى ما هو ابعد من ذلك، عندما وجهت سفارتها في الدوحة دعوة للشيخ يوسف القرضاوي، رئيس هيئة كبار علماء المسلمين، لحضور الاحتفال بعيدها الوطني اواخر الشهر الماضي، وهو الحضور الذي حظي بتغطية واسعة، وكان الهدف منه توجيه رسالة قوية الى الحكومة المصرية.

ذكر اسم الشيخ القرضاوي ثلاث مرات امام الرئيس السيسي يصيبه بالاغماء، فكيف سيكون الحال اذا حضر حفلا في السفارة السعودية، واين؟ في الدوحة، العاصمة الاكثر ثقلا على قلبه، حيث جرى استقباله، اي الشيخ القرضاوي، بحفاوة لافتة من قبل السفير السعودي واركان سفارته.

التحدي الاكبر امام السلطات المصرية، هو كيفية الموازنة بين دعمها الواضح للضربات الجوية الروسية الموجهة للجماعات “الارهابية” في سورية التي تقاتل لاسقاط النظام، والعلاقات “الاستراتيجية” التي تربطها بالسعودية، وبعض الدول الخليجية الاخرى؟

من الواضح، ومن خلال الاتصال الذي اجراه الرئيس السيسي مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، وتضمن ترحيبا مصريا رسميا بهذه الضربات “المتدحرجة”، ان الرئيس المصري قرر الابتعاد عن حليفه السعودي السابق، او اتخاذه سياسة مستقلة عنه، لانه يدرك جيدا ان عضلاته المالية تتقلص وتنكمش بسرعة بسبب تراجع اسعار النفط اولا، وان سفينة تدخله في الازمة اليمنية تواجه رياحا وامواجا عاتية، قد تؤدي الى غرقها وعدم وصولها الى بر الامان بالتالي.

***

اذا نظرنا الى الفصول الابرز في تاريخ المنطقة، نجد ان المحور المصري السوري كان الاقوى والاطول عمرا على مدى اكثر من ثمانية آلاف عام، بينما العلاقات السعودية المصرية، وفي القرون الثلاثة الماضية خاصة، كانت تتسم بالتوتر والحروب، ابتداء من اقتحام جيش ابراهيم باشا نجل محمد علي للدرعية عاصمة الدولة السعودية عام 1818 وتدميرها وانتهاء بالحرب اليمنية في منتصف الستينات من القرن الماضي.

السعودية مصرة على اسقاط الرئيس بشار الاسد ونظامه، ولا ترى له اي دور في مستقبل سورية، وروسيا بوتين ترى العكس تماما، لان البديل عن النظام السوري هو الفوضى، وقيام جماعات اسلامية متشددة بمليء الفراغ، وتقترب مصر اكثر فأكثر من الموقف الروسي وتحاول جر دولة الامارات العربية المتحدة، وربما الكويت ايضا الى معسكرها، ويبدو انها بدأت تحقق بعض النجاح في هذا المضمار.

تحالفات “الحرب الباردة” السابقة بدأت تتبلور من جديد على ارضية الصراع في سورية، حيث تعود السعودية بقوة الى المعسكر الامريكي، ولكن بصورة اضعف من السابق بسبب تورطها في حرب اليمن، وتستعيد مصر مكانها بقوة متدرجة في المعسكر الروسي، الى جانب الصين وايران والهند، ودول “البريكس″ عموما.

النظام السوري قد يخرج الكاسب الاكبر من هذا الانقلاب في خريطة التحالفات الاقليمية والدولية ولو الى حين، فالامر المؤكد ان طوق النجاة الروسي بدأ يعطي نتائج ملموسة في هذا الصدد، اقليميا او على صعيد رسم خريطة جديدة للتحالفات الاقليمية.