بديل ـ الرباط

أنعشت عملية الإغماء التي تعرض لها أنس العلمي، المدير العام لـ "صندوق الإيداع والتدبيرCDG"، بعد توبيخه من طرف الملك على خلفية خروقات مشروع باديس بالحسيمة،  ذاكرة المهندس احمد بنالصديق، الشهير بخلعه لبيعته للملك، مسترجعا شريط أحداث محنته، خاصة مع المدير السابق لنفس المؤسسة المصطفى الباكوري، الأمين العام الحالي لحزب "الأصالة والمعاصرة"، باعتباره هو مسؤوله المباشر آنذاك، والذي كان بامكانه إنصافه وحل المشكل بدل تعقيده قبل أن يصل  الموضوع إلى الملك.

ويستغرب بنالصديق لشخصية العلمي الذي يحتقر البرلمان برفضه الدائم المثول امامه، وكيف سقط مغميا عليه، بعد أن خرج من عند الملك، مستحضرا بنالصديق قول الشاعر :

أَسدٌ عَلَيَّ وَفي الحُروبِ نَعامَةٌ رَبداءُ تجفلُ مِن صَفيرِ الصافِرِ

يقول بن الصديق متحدثا عن محنته : عندما تحدثتُ مع الملك يومي15 و16 فبراير 2006 على التوالي، بصفتي المدير العام لشركةSothermy المشرفة على تدبير "حامة مولاي يعقوب" والتابعة لـ "CDG"فأجبتُ عن أسئلته وكشفتُ له عن بعض جوانب الفساد الذي وجدتهُ في تلك الحامة الفريدة، والذي تبيَّن فيما بعد أنه أكبر وأخطر مما كنتُ أتصوره على حياة وسلامة المواطنين، (ومنهم من لقي حتفه جراء الإهمال)وقدمتُ للملك ملخصا لمشروع إعادة هيكلتها على أسس علمية وطبية. يومها لم يغمى عليَّ، ليس لأني شجاع، وهي صفة لا أدَّعيها، وإنما لأني كنت مقتنعا ولا أزال أني سأخون مسؤوليتي إن كذبتُ على رئيس الدولة وأوهمته أن الأمور على ما يرام".

ويؤكد بن الصديق أنه شرح للملك أن الحامة العصرية لا تقوم بدورها الطبي الذي أنشِأت من أجله، و بعد لقاء الملك اكتشف أن المدير الطبي الدكتور رؤوف بلفقيه اشتغل بها 12 سنة بدون رخصة مزاولة مهنة الطب، قبل أن يُشعِر بن الصديق الملك أن بناية الحامة الشعبية لا تبعث على الطمأنينة، بعد أن وصل لعلمه أول تقرير لخبرة تقنية يحذر من خطر انهيارها، وبعد ثلاثة أشهر أكدَّت خبرةٌ تقنية ثانية نفس المخاوف، وهو ما يضع علامات استفهام حول عملية إصلاح خضعت لها البناية عام 2002 تحت مسؤولية محمد باصطوص، أحد الأطر المسيِّرة للصندوق والذي تولي أيضا مسؤوليات في شركة CGI صاحبة فضائح الحسيمة اليوم.

ويؤكد بنالصديق في مقال عممه على وسائل الإعلام أن خبرة ثانية أنجزت بقرار من مجلس إدارة الحامة يوم 7 مارس 2006 تحت رئاسة والي جهة فاس بولمان آنذاك محمد الغرابي، بناء على اقتراح من عبد السلام أبو درار، الكاتب العام للصندوق حينها.

فانفجرت الفضيحتان، فضيحة الطبيب وفضيحة البناية، فأخبر بن الصديق المدير العام للصندوق، مصطفى الباكوري فالتزم الصمت ولم يطلب تحقيقا في الموضوع، بل كلف محمد باصطوص في مرحلة أولى بتنحيته من المسؤولية أواخر شهر ماي 2006 ثم أعطى أمره لكي تلفق له إدارة الصندوق تهمة رسمية غريبة لكي يضطر بنالصديق لمغادرة المؤسسة كلها، وهي تهمة عدم احترام الملك والتحرش بالملك Harcèlement de Sa Majesté le Roiوذلك يوم 15 شتنبر 2006 أي ستة أشهر بالضبط بعد زيارة الملك لمولاي يعقوب.

ويتهم بن الصديق الوالي محمد الغرابي والرئيس الحالي للهيئة الوطنية لمحاربة الرشوة عبد السلام أبو درار بالمساهمة بصمتهما في جريمة الانتقام وجريمة التستر على الفساد، مشيرا إلى أن مشروع إعادة التأهيل الطبي بشراكة مع كلية الطب بفاس ومع المعهد الوطني للوقاية بالرباط، ومع اللجنة الطبية الموسعة التي أنشأها وكان يرأسها عميد كلية الطب البروفيسور مولاي حسن فارح، فقد حرص كل من الباكوري والغرابي على إجهاضه بالكامل بعد مغادرتي، وتلك جريمة أخرى، يضيف بنالصديق.
وبحسب بن الصديق فقد راسل العديد من الجهات بما فيها الملك، مطالبا بتحقيق دقيق ونزيه ومرفقا الحُجَج والوثائق، لكن دون نتيجة حتى اليوم رغم خطورة ما تضمنته وثائقه وتحذيراته.

ومنذ ذلك التاريخ سيعرف المسار المهني والاجتماعي لابن الصديق تحولا كبيرا، بحسبه، مشيرا إلى أنه عبر وحيدا صحراء شاسعة من النكران والخذلان تعرف فيها على مسؤولين وصفهم بـ"الجبناء" وبأنهم " بلا ضمير " كما تعرف على سياسيين وصفهم بـ"المنافقين" وعلى إعلاميين نعثهم بـ"المراوغين" وعلى وزراء "متلوِّنين"، وعلى حقوقيين "مزيَّفين"، وعاش الإضراب عن الطعام، لكن المهم أن كل ذلك أكسب بن الصديق المناعة ضد الخوف من قول الحق، دون أن ينكر تعرفه على مناضلين شرفاء في داخل وخارج المغرب، في زمن وبلد عزَّ فيه الوفاء للمبادئ.

وفي شهر يوليوز 2011، حيث راسل بن الصديق الملك محتجا على صمته، لم يتأخر الرد ليفرض عليه حصار أمني دام عدة أيام لمنزله ليل نهار، وملاحقة وصفها بـ"المخابراتية"، لكن الغريب والمثير أنه إلى يوم الناس هذا، لم يتوفر أحد من المسؤولين على الشجاعة ليجيب على مراسلاته أو ليفتح تحقيقا ليؤكد مزاعمه أو يُكذِّبها أو يجرَّنه للقضاء بتهمة الوشاية الكاذبة. مشيرا بن الصديق إلى أن مراسلات لجنة التضامن إلى المسؤولين، ظلت كلها دون رد.

واستكمالا لهذه الفظائع، ستبدع الوكالة القضائية للمملكة في مرافعتها أمام المحكمة الإدارية، وهي تدافع عن قرار الوالي، القاضي بمنع تأسيس "الحرية الآن" التي ساهم بن الصديق في تأسيسها، تبرير ا وصفه بن الصديق بالسوريالي حين قالت الوكالة : " كما أن أحد الأعضاء، وهو أحمد ابن الصديق، معروف بميولاته ونزوعاته المتسمة بالمساس بالمقدسات وثوابت الأمة، وتجد محكمتكم الموقرة صحبته صورة من الرسالة التي نشرها عبر الأنترنيت وموقعه الاجتماعي يعلن فيها صراحة أنه خلع من عنقه البيعة، بل ضمنها عبارات يربأ العارض عن ترديدها امتثالا لواجب الاحترام الواجب التقيد به في التعامل مع صاحب الجلالة، وفق ما شدد عليه الفصل 46 من الدستور الذي نص على أنه (شخص الملك لا تنتهك حرمته و للملك واجب التوقير والاحترام)... ومن جهة أخرى فإن الأدبيات الصادرة عن بعض هؤلاء الأعضاء تمس بثوابت الأمة وتقوض المصالح العليا للبلد". وتساءل بنالصديق "فهل أصبح الفساد من ثوابت الأمة ليصبح فضحُ الفساد مسًّا بثوابت الأمة؟ وهل الحرص على سلامة المواطنين وصحتهم هو تقويض المصالح العليا للبلاد؟وإن كنت أسعى لتقويض المصالح العليا للبلاد فماذا ينتظرون لمحاكمتي؟