لحويمد المحجوب

ما لبث أن أنهى العاهل المغربي محمد السادس خطابه الأخير بمناسبة مرور تسعة و ثلاثين سنة على ضم المغرب للصحراء الغربية، من خلال ما أطلق عليه الحسن الثاني أنا ذاك المسيرة الخضراء، حتى انبرت جوقة الانتهازيين الجدد، التي رأت في هذا الخطاب إعلانا صريحا بأحقيتها في الاستحواذ على مقدرات المنطقة و ذلك طبعا في انتظار العقاب الذي سيلحق بالنخب التقليدية التي يبدو أن النظام بدأ في التخلي عنها لتحل مكانها.
فلعل أهم ما جاء به الخطاب الملكي على المستوى الداخلي هو اللوم القاسي الذي وجه للنخب التقليدية وذلك نظرا لتقصيرها في مواجهة مد دعاة تقرير المصير الذين يشكلوا قاعدة شعبية متنامية، و انكفائهم على جمع الأموال في صمت رهيب وتجاهل للمسار السياسي العسير الذي بات يؤرق بال النظام، فالأخير بدأ يدرك في أنه في حاجة ماسة إلى فاعلين جدد لا سيما على المستوى الميداني في المنطقة من أجل كسب مزيد من الأصوات خاصة في صفوف الشباب، مما يساعده في إظهار الطرف الأخر مجرد أقلية ذات تصور راديكالي عفى عنه الزمن، فعدم مشاركة هذه النخب التقليدية في هذا الجهد السياسي عبر مجموعة من القنوات المتاحة لها بحكم نفوذهم الذي يتيح لهم التواصل مع مختلف شرائح المجتمع، جعل النظام يفكر في جديا على ما يبدو في التخلي عن خدماتهم، لكن ما لا يدركه النظام بأن هذه النخب لم تسعى هي قط لتبوء هذه المكانة الاجتماعية التي تحظى بها، بل هي صنيعة مخزنية فرضتها ظروف التحول الذي شهده المجتمع الصحراوي في الانتقال من البادية إلى المدينة بتشجيع من الدولة، بغية تسهيل عملية المراقبة و الضبط مما جعلها تولي عناية في حدود الممكن للمدن الناشئة أنا ذاك، وبالتالي فإن هذه النخب جلها تشكل زعامات قبلية ذات نفوذ اجتماعي، بوأها النظام هذه المكانة من أجل أن تساعده في احتواء الأزمات و جعلها وسيط من داخل المجتمع نظرا لما عرف عن هذه الزعامات عبر تاريخ المنطقة من أدوار مجتمعية.
من هنا يمكن القول بأن ما جاء به خطاب العاهل المغربي، قد يشكل بداية للفصل مع النخب التقليدية، و هو الأمر الذي يبدو من الصعب بما كان لان النظام يدرك تمام الإدراك بأن لا مصلحة له في التنكر لهم بهذه الطريقة المهينة، فالخطاب بالأساس كان موجها لمن يرون في أنفسهم القدرة على الانخراط في ما يخطط له النظام في قادم الأيام، نخب قادرة على مواجهة أصحاب الرأي المناقض لأطروحة المخزن، وهو بهذا يعمل على تهيئة الظروف المواتية لجيل جديد من أبناء المنطقة لا سيما منهم أولئك الذين لهم معارف أولية على الأقل في أبجديات العمل السياسي التي يكونوا قد تلقوها في صفوف الشبيبات الحزبية والعمل الجمعوي إلى غيرها من القنوات، و لعل هذا ما تحقق بالفعل فبمجرد ما انتهى الخطاب حتى انبرى هوؤلاء مشيدين بما جاء به الخطاب و تأويله لصالحهم حتى يلصقوا بأنفسهم أهلية تعويض من يظنون بأن عقاب المخزن سيطالهم باستبعادهم، فهذه الجوقة من الانتهازيين الجدد من الواضح بأن الطريق تبدو معبدة أمامها من طرف المخزن الذي نراه يوميا يعمل جاهدا إلى التنكيل بكل من يخالفه الرأي، ويزج بخيرة المناضلين في السجون تحت يافطة تهم واهية ونهج سلوك انتقامي جهنمي ضد كل القوى المناوئة له، بالإضافة إلى التدخلات العنيفة على كافة محاولات الاحتجاج السلمية بدعوى تقويضها للسلم و الاستقرار، إلى جانب النهج الحكومي المتسم بمزيد من التقشف على حساب قوت عموم المواطنين، والزحف على جميع المكتسبات الاجتماعية و الحقوقية.
من هنا تتبادر إلينا مجموعة من التساؤلات ذات الصلة بالطريقة التي سوف يعمل بها المخزن إلى استبعاد هذه النخب التقليدية، وهل سوف يتحمل ضريبة هذا التخلي و الاستبعاد؟ من هم الأفراد الذين من المنتظر تعويضهم؟ فهل النظام لديه البديل القادر على لعب الدور المحوري في كبح التيار المناهض لاستراتيجيته المنتظرة بالمنطقة؟