ماذا يعني أن يفوز بالانتخابات الجماعية في المغرب، حزب، متهم من طرف حزب "الإستقلال" بـ"جمعه للملايير من المخدرات" ومتهم، من داخل البرلمان، من قبل "العدالة والتنمية" برعاية "الإرهاب" على خلفية مقتل الطالب عبد الرحيم الحسناوي؟ 

يعني خمسة احتمالات لا سادس لها؛ إما أن المصوتين لم يسمعوا بهذه التصريحات، وبالتالي فهم أغبياء، لا يعرفون لمن صوتوا، وإما أنهم سمعوا بها ولكنهم يعاقبون "البيجيدي" على أدائه الحكومي، وإما أنهم يعلمون بها، فقط لأنهم يتملقون لقادة "الأصالة والمعاصرة" لمعرفتهم بنفوذهم داخل دوائر القرار، وبالتالي يسعون لقضاء مآرب شخصية، وإما أن الرشاوى فعلت فعلتها في الناخبين وإما أن نتائج الانتخابات مُزورة؟

هل يُعقل في أي دولة في العالم ـ وربما حتى في ليبيا أو الصومال ـ أن يحتل حزب للمرتبة الأولى في الإنتخابات، وهو متهم من طرف حزبين كبيرين بـ"رعاية الإرهاب" و "جمعه للملايير" من المخدرات؟ هل يقبل عقل في العالم أن يحصل حزب على هذه المرتبة الأولى ويحصل على أزيد من 6000 مقعد انتخابي، علما أنه إلى غاية عشية الانتخابات، كان رئيس الحكومة، الذي بين يديه جهاز النيابة العامة، يدعو قيادي "البام" الياس العماري إلى توضيح اتهامات شباط حول "جمع حزبه للملايير من المخدرات" قبل أن يتهمه بالتحكم في "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية"؟ وهل يُعقل أن تقبل لجنة وزارية، تحت إشراف رئيس الحكومة، خوض حزب للانتخابات، وهو متهم من قبل حزبين عريقين في المغرب بـ"جمعه للملايير من المخدرات" ورعاية عملية "إرهابية" ضد طالب جامعي دون الفصل قضائيا في كل هذه الإتهامات؟ بل والأطرف أن رئيس الحكومة بنفسه يطالب قيادة هذا الحزب بتوضيح اتهامات شباط، وكأن جهاز النيابة العامة بيد "البام" وليس بيد مصطفى الرميد؟

قد يكون "البام" أو قادته مستفيدين من ترويج هذه الإتهامات وسط شعب مغلوب على أمره وجائع، حيث يظهرون كأقوياء مقربين من دوائر القرار، وبالتالي قادرين على استغلال مواقعهم وما يروج عنهم لقضاء مآربهم ومآرب قواعدهم الانتخابية، لكن الدولة ومؤسساتها، خاصة "الإدارة العامة للأمن الوطني" التي تتبع لها "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية"، هي الخاسر الأكبر من الترويج لهذه الإتهامات، التي تهدد بانقراض رصيد "هيبتها" لاقدر الله.

السؤال المحير الآن لأذهان المتتبعين لهذه المسخرة والذي قد يصيبهم بالجنون، هو ما الذي يمنع رئيس الحكومة أن يتصل برئيس النيابة العامة ويأمر بفتح تحقيقات في تصريحات شباط، أليس في تقاعسه عن ذلك لأكبر دليل على أن ما يجري من صراع بين قادة الأحزاب المغربية، مجرد مسرحية على الشعب المغربي؟ ثم ما الذي يمنع "الإدارة العامة للأمن الوطني" أن تتقدم بشكاية ضد شباط؟ لماذا تفضل فقط متابعة الصحافيين وسجنهم وتغريمهم أموالا خيالية، لا لشيء سوى لأنهم قاموا بعملهم؟ لماذا تعتبر "الإدارة العامة للأمن الوطني" نقل خبر عن وفاة مُواطن داخل مخفر أمني في الحسيمة، بحسب أسرة الضحية و"الجمعية المغربية لحقوق الإنسان" "إهانة" لها، بصفتها كـ"هيئة منظمة" من طرف الصحفي، ناشر الخبر، علما أن الأخير نقل حتى رواية الوكيل العام، الذي يقول إن "الضحية" توفي داخل مستشفى الحسيمة، ولا تَعْتبر "إهانة" لها بصفتها كذلك"هيئة منظمة"ـ أن يقول حميد شباط عنها بأن مواطنا يقدم نفسه للمغاربة على أساس أنه ابن مربية دجاج وفقيه يتحكم في عناصر "الفرقة الوطنية للشرطة القضائية" بإرسالهم لاعتقال من يشاء، إذا لم يقبل الدخول إلى حزبه؟

عندما وصف محمد نوبير الأموي حكومة "عبد الكريم العمراني" سنة 1992، بـ"الملاقطية"، من خلال حوار أجراه مع جريدة "إلباييس" الإسبانية، سارع الملك الراحل الحسن الثاني إلى توجيه تعليماته بضرورة محاكمة أي وزير تبث تورطه في الفساد، قبل تدين المحكمة الأموي بسنتين سجنا نافذا، بعد أن عجز عن تقديم ما يزكي كلامه ضد أعضاء الحكومة.

قد تكون تحديات محمد السادس أكبر من تحديات الحسن الثاني وقد تكون منجزات الأول أكبر من منجزات الثاني، لكن المؤكد أن المؤسسات الدستورية والحزبية مُست في "شرفها" و"هيبتها" و"كرامتها"، على عهد الملك محمد السادس، بشكل مروع، دون أن يأخذ القانون مجراه، وكأن هذه البلاد لا يحكمها قانون ولا مؤسسة ولا أحد؟ واليوم، تخبرنا وزارة الداخلية المغربية بأن الحزب الفائز بالانتخابات الجماعية هو نفسه الحزب المتهم من قبل "العدالة والتنمية" برعاية عملية "إرهابية" ضد طالب جامعي، كما هو متهم من طرف حزب "الإستقلال" بـ" "جمعه للملايير من المخدرات"، فهل هناك مهزلة وإساءة للشعب المغربي، أكبر من أن يُدبر شؤونه حزب متهمة قيادتها بجمعها للملايير من المخدرات ورعاية "عملية إرهابية"دون البث في صحة هذه الإتهامات الخطيرة؟