برهنت ممارسات الأحزاب ومعايير اختيار المرشحين والالتزام بمبادئ التعاقدات وكيفية تدبير ملف التحالفات في انتخابات 4 شتنبر أنها ما زالت تعيش عالم ما قبل دستور 2011، وكأن المغرب يسير بوتيرتين :ا- وتيرة الدولة التي أبانت عن إرادة تفعيل الدستور والالتزام بمضامين القوانين التنظيمية المؤطرة للانتخابات والابتعاد عن التحكم وصناعة الخرائط الحزبية والالتزام بالحياد والوعي بأهمية تنظيم انتخابات في محيط إقليمي متوتر .ب-وتيرة الأحزاب التي برهنت من خلال ممارساتها انها لا تحترم نفسها او التحالفات القائمة فيما بينها او تلتزم بتعاقداتها مع المواطنين ،بل انها فشلت للتحكم حتى في مرشحيها الفائزين بأسمائها وبرامجها ورموزها في انتخابات يوم 04 شتنبر ليغيروا جلدهم في 10 ايام أي يوم 14 شتنبر أثناء انتخاب رؤساء الجماعات ورؤساء الجهات ، بل ان سلوك وتصرف الناخبين الكبار سواء المنتمين لأحزاب الأغلبية او المعارضة لم يحترموا لا أنفسهم ولا تعاقداتهم ولا بلاغاتهم ولا مواثيق الشرف الموقعة بينهم وبين أحزابهم ، وبممارساتهم هاته أكدوا ان أحزابنا ما زالت لا تمتلك اي سلطة على مرشحيها الكبار، وكان من نتائج غياب هذه السلطة تحويل الناخبين الكبار الفعل الانتخابي الى فعل تجاري خاضع للسمسرة الانتخابية مما أصاب المواطن بصدمة وجعلته ينظر الى زعماء الأحزاب نظرة احتقار لأنهم بعد المعاناة لعقود من تزوير الدولة لإرادته ، ها هو اليوم يواجه من معاناة تزوير الأحزاب لاراداته بعد تخلصه من تزوير الدولة، وبذلك أصبح المواطن أمام معادلة غريبة دولة محايدة وأحزاب مزورة .
الدولة وتدبير ملف الانتخابات: برهنت الدولة من خلال تدبيرها لملف الانتخابات انها كانت في مستوى الحدث بل انها خرجت منتصرة من تنظيمها ،الأمر الذي جعل العالم الغربي يشيد بالمناخ الجيد العام الذي نظم فيه المغرب هذه الانتخابات.فرئيس الحكومة الذي عينه جلالة الملك للإشراف على الانتخابات الى جانب وزير الداخلية و وزير العدل والحريات وفروا كل القوانين والإجراءات والموارد التقنية والمادية واللوجستيكية لجعل هذه الانتخابات تنظم في ظروف نوعية لكنها ليست بالمثالية.
وبهذا التنظيم المتقدم حققت الدولة انتصارا على الاحزاب التي فشلت في مواجهة الفساد الانتخابي داخل قياداتها وهياكلها المركزية والجهوية والاقليمية والمحلية .التزمت الدولة الحياد في هاته الانتخابات ولم تتدخل لخدمة الأجندات المعلومة بل تركت الأحزاب تنافس فيما بينها لكن تنافسها لم يكن أخلاقيا ولا مؤسساتيا ولا برنامجيا ولا سياسيا ولا فكريا بل كان تنافسا رديئا عرى واقع أحزاب ما زالت بعيدة ان تكون في مستوى وعي المواطن وتقدم الدولة التي نظمت هذه الانتخابات وهي واعية ان ظلال الربيع العربي واحتجاجات 20 فبراير ما زالت قائمة اذا ما تخلفت عن المواعيد الكبرى .
أحزاب متخلفة وعاجزة وانتخابات نوعية : يتفق الكثير من المهتمين والمحللين ان جل الأحزاب السياسية لم تكن مستعدة للالتزام بمبادئ وقواعد الانتخابات الديمقراطية وقبول نتائجها، بل لاحظ الكل انه في عز الإعلان عن النتائج النهائية عبرت جل الأحزاب عن موقفها السلبي اتجاه هاته النتائج، وعوض ان تقوم بنقد ذاتها وتتحمل المسؤولية وتقبل النتائج التي حصلت عليها في انتخابات الغرف والجماعات والجهات ذهبت للطعن في العملية الانتخابية بلغة عامة وبأسلوب يجسد تيه هاته الأحزاب. وهذه بعض ردود الأحزاب أثناء وبعد الإعلان عن النتائج النهائية لانتخابات 4 شتنبر:
حزب الأصالة والمعاصرة بين الاكتساح والبكاء : احتل حزب الأصالة والمعاصرة المرتبة الأولى في انتخابات أعضاء الغرف الفلاحية وغرف التجارة والصناعة والخدمات وغرف الصناعة التقليدية وغرف الصيد البحري والفوز بـ18,72% من المقاعد: 142 مقعدا بالغرف الفلاحية و151 مقعدا بغرف التجارة والصناعة والخدمات و101 مقعدا بغرف الصناعة التقليدية و14 تمثيلية وسط غرف الصيد البحري، ما يمكّنه من 408 من المقاعد.وفاز بالمرتبة الأولى بالنسبة للانتخابات الجماعية ب 6655 مقعدا و نسبة 21.12 بالمائة وفي عز إعلان وزير الداخلية فوز حزب الأصالة والمعاصرة بالمراتب الاولى في الانتخابات الجماعية خرج قيادي من الحزب ليصرخ ان ما حدث في الانتخابات هو "اغتيال الديمقراطية"،الأمر الذي جعل المتتبع يصاب بالصدمة ولم يفهم شيئا .حزب حديث التأسيس يكتسح انتخابات الغرف ويحتل المرتبة الأولى في الانتخابات الجماعية ثم يصف ما وقع هواغتيال الديمقراطية. أليس هذا قمة العبث والتناقض وقمة الاستهتار؟ اذا كان الحزب الفائز الأول وصف نتائج الانتخابات باغتيال الديمقراطية فماذا ستقول الأحزاب الخاسرة في هاته الانتخابات؟ إنها قمة التناقض فعوض ان يشيد حزب الأصالة والمعاصرة بنزاهة الانتخابات التي بوأته المراتب الأولى فاذا به يبكي "اغتيال الديمقراطية" ، وهو الحزب الذي استمد شرعيته ومشروعيته من نتائج الانتخابات التي وصفها بأنها اغتيال للديمقراطية بعد ان كان الكل يشك في النتائج التي حصل عليها في انتخابات 2009 .لكن الغريب في الأمر هو صمت قادة الحزب بعد الفوز بخمس جهات رغم احتلاله المرتبة الثانية بعد حزب العدالة والتنمية الذي فاز بجهتين وهو الذي فاز بمليون وأكثر من خمس مائة الف صوتا.
حزب الاتحاد الاشتراكي وقوة الصدمة : اما بالنسبة للكاتب الأول لحزب اتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية الذي كان من اكبر الخاسرين في هذه الانتخابات فجل الباحثين والسياسيين لم يفهموا تصريح الكاتب الأول للحزب الذي كان الأقوى ليلة فرز الأصوات، والأكثر تشكيكا في نزاهة الانتخابات ونتائجها، حينما صرح عقب اجتماع قادة المعارضة بمقر حزبه، بأن هذه الانتخابات شهدت "خروقات بالجملة"، وأن الحزب سيطعن طعنا سياسيا في العملية الانتخابية وهو ما يعني ان الكاتب الأول لاتحاد الاشتراكي سيطعن في الدولة بكونها المسؤول المباشرعن تنظيم هاته الانتخابات والضامنة لشفافيتها ولنزاهتها. وكان الكل ينتظر ان يلتزم الكاتب الأول بتصريحه لكنه سرعان ما التزم الصمت ليفهم بذلك ان تصريح لشكر كان مجرد تكتيك امام هول الصدمة والخسارة التي مني بها حزبه،وكان بالاجذر بع عوض ان ينقد الدولة ان يجمع هياكل الحزب وأجهزته للقيام بنقد ذاتي جماعي قيادة وهياكل مركزية جهوية اقليمية ومحلية والاعتراف بمسؤولياته في النتائج التي حصل عليها حزب كبير كالاتحاد الاشتراكي الذي فقد الكثير من قواعده الشعبية منذ قبوله المشاركة في حكومة ادريس جطو سنة 2002 .اما اذا كانت لادريس لشكر قرائن مادية على ما سماه "خروقات بالجملة" فما عليه الا الذهاب للقضاء وهوالمحامي المقتدر والخبير في الطعون الانتخابية .
حزب الاستقلال ولحظة التيه : سار الأمين العام لحزب الاستقلال، حميد شباط، على نهج ادريس لشكر لاتهام رئيس الحكومة عبد الإله بنكيران بإفشال مسلسل الاستحقاقات واعتبار نتائجها" تزويرا لإرادة الشعب" وهو أمين الحزب الذي بوأته هاته الانتخابات - التي ينتقدها- المركز الثاني ب 5106 مقعدا أي بنسبة 16.22 في المائة في الانتخابات الجماعية.بل ان شباط ذهب بعيدا ليشير أن الانتخابات العامة الجماعية والجهوية مرت في أجواء شبيهة بتلك التي كان يعرفها الاقتراع في سنوات السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات من القرن الماضي،والتي كان يطعن في نزاهتها سياسيا، محملا المسؤولية في ذلك لوزير الداخلية ووزير العدل والحريات ورجال السلطة .
والغريب في الأمر ان يحمل المسؤولية للآخرين دون أن ينفذ بما وعد به في برنامج تلفزي بقوله انه سيقدم الاستقالة اذا لم يحتل حزب الاستقلال المرتبة الأولى في هاته الانتخابات التي لم تشهد تراجع حزب الاستقلال فقط ، بل شهدت سقوطا مدويا لحميد شباط ذاته في الانتخابات الجماعية والجهوية والعمودية بقلعته مدينة فاس . وعوض ان يعترف بالهزيمة وتحمل المسؤولية وتقديم استقالته صدر بيان عن اللجنة التنفيذية لحزب الاستقلال مناقضا تماما لتصريحات حميد شباط سابقا مفاده ان حزب الاستقلال يعتز “بالنتيجة التي حققها حزب الاستقلال، والتي بوأته المركز الثاني ب 5106 مقعدا أي بنسبة 16.22 في المائة، بالرغم من الدسائس والمؤامرات التي تعرض لها الحزب، والحرب الضروس التي خاضها ضده الحزب الحاكم وفي مقدمته رئيس الحكومة”، بيان يفهم منه أن حميد شباط، لن يقدم استقالته من قيادة حزب “الاستقلال”. وان ما قاله عن استقالته وعن مواقفه من حزب العدالة والتنمية مجرد تكتيك سياسي. لكن يسجل لشباط شجاعته السياسية للإعلان عن فك تحالفه مع حزب الأصالة والمعاصرة واتخاذ قرار المساندة النقدية لحكومة بنكيران .
لكن في كل الأحوال تصريحات شباط الأمين العام لحزب الاستقلال وتقربه من حزب العدالة والتنمية سيجعل مستقبل الحزب مفتوحا على كل الاحتمالات وسيكون لقرارات شباط المفاجئة تداعيات على مستقبل حزب الاستقلال التي يمكن ان تفرز ثلاث تيارات: تيار فاسي وآخر بيضاوي وآخر صحرواي ستتصارع في ما بينها لقيادة حزب الاستقلال الذي ما أحوج قيادته اليوم الى النقد الذاتي بمفهوم المرحوم علال الفاسي.
حزب العدالة والتنمية والاستمرار لعب دور الضحية: اما بالنسبة لحزب العدالة الذي حقق انتصارا مهما بفوزه في الانتخابات الجماعية ب 5021 مقعدا بنسبة 15.94 بالمائة محتلا المرتبة الثالثة وفوزه في الانتخابات الجهوية ب 174 مقعدا ونسبة 25.16 بالمائة محتلا المرتبة الاولى فان أمينه العام وبعض قياداته البارزة ما زالوا يشتكون من مسألة التحكم والغدر والخيانة وشراء الذمم والأصوات خلال هاته الانتخابات في الوقت الذي يتحمل فيه الأمين العام لحزب العدالة والتنمية رئاسة الحكومة وعضو مكتبه السياسي وزارة العدل والحريات. و السؤال المحير الذي يطرح هنا هو : لماذا لم يحرك البيجيدي مساطر التحقيق والمتابعة في حق من يمارس التحكم ويقصد حزب البام؟ اذا كانت لديه قرائن فلماذا لم يذهب للقضاء؟ لماذا ما زال رئيس الحكومة وبعض قيادات الحزب يتحدثون بصيغة المجهول وبصيغ عامة مثل التحكم والاستفزاز الخيانة دون ان تكون لهم الجراة لتسمية الأشياء بأسمائها؟
على الأمين العام بنكيران الذي هو في نفس رئيس الحكومة ان يزن كلامه وان يبتعد عن لغة الخشب وان يميز بين اللغة السياسية واللغة القانونية وان يعي ان كل كلامه يأخذ بالجد من طرف السفارات والقنصليات ، واذا كانت لديه معطيات على الذين يريدون ان يتحكموا او من يمارسون الارهاب على المرشحين والناخبين الكبار او من يوجهون رجال السلطة عليه ان يتوجه الى القضاء لوضع حد لما يسميه التحكم لان المغاربة ملوا من اتهامات رئيس الحكومة لكائنات مجهولة دون تقديم الدلائل على ما يقول .وعلى بنكيران ان يعترف – ايضا- انه ادى ثمن ثقته المفرطة في بعض أحزاب التحالف الاغلبي الذي أضاع عن حزبه جهة او جهتين وعليه تحمل المسؤولية عوض الاستمرار في لعب دور الضحية .

التجمع الوطني للاحرار حزب المصالح على حساب المبادئ: برهن حزب التجمع الوطني في انتخابات 4 و14 شتنبر انه حزب الكائنات الانتخابية ليس الا، وانه حزب الأشخاص وليس حزب المؤسسات ويعاني على مستوى القمة والقاعدة بغياب قيم الانضباط والالتزام بل انه لا يحترم حتى مقتضيات أنظمته . وتدل عدة مؤشرات ان حزب التجمع الوطني للاحرار قد فقد الكثير من مصداقيته عند الرأي العام نتيجة تصرفات قيادته وعدم الانضباط بميثاق الأغلبية الحكومية بل حتى مواقف قياداته اتجاه ما وقع بتطوان وبالدار البيضاء بدت متناقضة بين القيادة وناخبيها ، وهو ما يعني ان حزب التجمع الوطني للاحرار الذي لا شبيبة له ولا نقابة ولا منظمة نسائية ولا إعلام هو مجرد تجمع بشري يجمع مكوناته المصالح الضيقة اكثر من حزب سياسي له ضوابط وقوانين وقيادة ومناضلين وهياكل منظمة ومنضبطة . واعتقد بأن الخيانة التي تحدث عنها بنكيران يقصد بها بالدرجة الاولى خيانة حزب التجمع الوطني الذي اعطى صورة سلبية عن مفهوم الالتزام السياسي . ومن المؤسف ان يكون احد قادته المرموقين رشيد الطالبي رئيس البرلمان ضحية تدبير قادة الحزب لملف التحالفات مما جعل من ترشحه و خروجه من التنافس على بلدية تطوان بتلك الطريقة أمرا مؤسفا لرجل يستحق ان لا يكون ضحية قيادة حزبية لا استراتيجية لها في اتخاذ القرارات ولا سلطة لها على ناخبيها ، بل هناك من يشكك حتى في استقلالية قراراتها.
بصفة عامة مرت الانتخابات في سياق وطني دقيق وسياق إقليمي متوتر وخرجت الدولة منتصرة فيها عكس الأحزاب التي برهنت عن تخلفها وعبثيتها والتفكير بثقافة ما قبل دستور 2011 والاستمرار في الشك بفرضية تدخل الدولة. فكل الأحزاب تتهم الدولة للتدخل لحساب الحزب الآخر: البام يتهم البيجيدي بالتحكم والبيجيدي يتهم البام بالتحكم وحزب الاستقلال يتهم وزارة الداخلية بخدمة الأجندات والاتحاد الاشتراكي يتهم الحكومة بالتدخل والتحكم، فرغم كثرة الاتهامات المتبادلة بين الاحزاب لم يستطع أي حزب تقديم أي دليل او امتلاك الجرأة للذهاب للقضاء ، بل حتى الدولة تبدو تائهة ومترددة ولم تجرؤ فتح أي تحقيق في هذه الاتهامات وهي اتهامات خطيرة تصدر عن قيادات حزبية لها وزنها الوطني والدولي . والأكيد ان مثل إطلاق هذه الأحكام غير المبررة تعطي فرصة لاعتداء الديمقراطية ولخصوم المملكة استغلال هذه التصريحات من أجل النيل من شرعية المؤسسات ومصداقية خطاب الدولة حول نزاهة هاته الانتخابات.صحيح لم تكن انتخابات 4 شتنبر ديمقراطية مائة بالمائة ولكنها حملت مؤشرات على ان الفعل الانتخابي المغربي قد اختار الخيار الديمقراطي التدريجي لكن ممارسات وسلوك الأحزاب افسد هذا الخيار الاستراتيجي .

*  استاذ التعليم العالي بكلية العلوم القانونية والاقتصادية والاجتماعية اكدال الرباط