أحمد عصيد ــ يتساءل كثيرون عن الأسباب التي تجعل حزب العدالة والتنمية الذي يرأس الحكومة، يُصاب مع تياره الدّعوي بالسّعار كلما تعلق الأمر بحقوق النساء، في الوقت الذي تظل فيه التيارات الدينية الأخرى السلفية وتنظيم العدل الإحسان مستكينة هادئة، والمفارقة التي تدهش الناس هي أنهم يسمعون ليل نهار عن أن الحزب المذكور يعتبر نفسه حزبا "معتدلا" وينعت الآخرين من الإسلاميين بالغلوّ والتطرف، وقد سبق لي أن صرّحتُ لبعض وسائل الإعلام الأجنبية بأننا، في نضالنا من أجل الديمقراطية، نعاني مع حزب العدالة والتنمية أكثر من أي تنظيم إسلامي آخر، بسبب إصرار هذا الحزب ـ مع تياره الدعوي ـ على استعمال فيتو "الخصوصية" ضدّ الحقوق الأساسية للمواطنة، وخوض غمار الحملات من أجل ذلك، واعتبار سلوكه هذا من واجباته المقدسة. هذا الموقف المتناقض أطلقنا عليه نعت "الاعتدال المتطرف" أو "التطرف المعتدل"، وهو ما أنكره بعض قياديي هذا الحزب آنذاك، وإن كانت التصريحات اللامسؤولة لرئيس الحكومة ورئيس الحزب قد أكّدت ذلك بدون تحفظ أو تقية.

وها هو اليوم العالمي للمرأة ومسيرة النساء المظفرة ليوم 8 مارس، قد أماطت اللثام مرة أخرى عن الوجه القبيح لحزب المصباح، الذي استعمل مع أتباعه ومليشياته الإلكترونية وصحافته ومنظريه (ومنهم فقيه الغوغائية السيد الريسوني)، أكثر الأساليب انحطاطا وهي الكذب والإشاعة والقذف والسبّ في حق النساء المناضلات طوال أسبوع بكامله، وذلك من أجل التشويش على احتفاليات العيد الدولي للمرأة، والتغطية على العجز الحكومي في تفعيل الفصل 19 وإنصاف النساء المغربيات اللواتي منحهن الدستور حقهن في المساواة والمناصفة.

كانت مسيرة 8 مارس رسالة بليغة إلى هؤلاء الذين يتوارون وراء كراسي الوزارات لكي يعرقلوا المسار الديمقراطي لبلادنا، الذي يعطره العَرق والدم والتضحيات الجسيمة للرجال والنساء منذ أزيد من نصف قرن، هؤلاء الذين يعتقدون بأنهم بحفاظهم على مرتبة الدونية للمرأة سيتاح لهم ممارسة الوصاية على المجتمع المحافظ والمغلق، وإعادة إنتاج النموذج الأبوي الشرقي الرديء في الدولة والقوانين والقيم، وهو النموذج الذي أثبت التاريخ بأنه لم ينتج إلا ثقافة الحريم والعبودية.

لم تكن النساء المتظاهرات يوم 8 مارس من النخبة المتعلمة فقط، ولا من اللواتي نعتهن رئيس الحكومة بـ"الوجوه الرمادية"، واعتبرهن شرذمة قليلة لا تمثل أحدا، ولم تكنّ من النساء اللواتي يتهمهن رئيس الحكومة بتنفيذ "أجندة أجنبية"، وإن كنّ لم يطالبنه إلا بتفعيل وعوده في التصريح الحكومي وتطبيق الدستور، جاءت النساء من مختلف مناطق المغرب، ومنهن العاملات والفلاحات وربات التعاونيات والنساء السلاليات ونساء التعليم ومختلف القطاعات، ليقلن بأنه قد سقط القناع عن القناع، وأنهن لم يعدن يثقن في الوعود الكاذبة، وأنهن لن يحترمن من لا يحترمهن.

ثمة من قال إن المسيرة كانت "سياسية"، فما معنى ذلك ؟ هل المقصود به حدّة انتقاد الحكومة ورئيسها ؟ هل يتعلق الأمر بمشاركة مناضلات القطاعات النسائية للأحزاب والذي هو أمر طبيعي وضروري، أو بظهور قياديين من هذا الحزب أو ذاك ؟ لماذا لا تتسم المسيرات النسائية في العالم الديمقراطي بهذه الحدة في مواجهة الحكومات، أليس السبب في ذلك هو وجود حكومة غريبة في تركيبتها وتكوينها ومواقف أعضائها وتصريحاتهم ضدّ الدستور وضدّ الحقوق الأساسية للمواطنين ؟ هل يوجد رئيس حكومة واحد في العالم الديمقراطي الذي أسّس ليوم 8 مارس ورسّخ دلالاته، نطق في حق النساء بنفس ما نطق به رئيس حكومتنا أو وزيرته في الأسرة والتضامن ؟ إن السبب الحقيقي لكون مهازلنا لا مثيل لها في البلدان المزدهرة هو أن حكومات تلك البلدان قد أرست القواعد الصلبة للديمقراطية على أساس تعاقد اجتماعي واضح يحمي الجميع رجالا ونساء، ويضمن المساواة بينهم، ما يجعل المنتخبين يعتبرون أنفسهم في خدمة هذا التعاقد وليسوا في خدمة مخطط سرّي، يجعل منهم متآمرين على الدولة وعلى المؤسسات وعلى المواطنة ومكتسبات القوى الحية، ويضمرون نوايا تخريبية تهدف إلى تقويض التجربة الديمقراطية وعرقلة بناء الدولة والمجتمع الحداثيين.

في بلدنا رئيس حكومة يصرّح علانية بشتم النساء المطالبات بحقوقهن الشرعية التي هي التزامات للدولة، ويتأسف على الزمن الذي كانت فيه المرأة مصباحا يضيء بيوت الحريم ويؤنس الرجال المتعبين من الكدّ خارج المنزل، فلماذا يريد الناس مسيرة عادية رتيبة كمثل مسيرات البلدان الديمقراطية ؟

كان لا بد من مسيرة في مستوى تحديات واقعنا، حتى تبعث بالرسائل المطلوبة لمن هو بحاجة إلى ذلك، وأعتقد أنها قد بلغت.