برزت على السطح مجددا مسألة الغزو الفكري للذات المغربية تزامنا مع الأحداث التي وقعت في تركيا مؤخرا.ونفرق في هذا المقام بين التضامن مع الشعب التركي و الانبهار بالآخر التركي. و يتخذ هذا الانبهار وجهين:وجه إسلامي و آخر علماني.فإذا كان الأول هو نتاج تداخلات فكرية فالثاني دخل من بوابة الإعلام المرئي وخصوصا المسلسلات المدبلجة.وخير دليل على ذلك هو سفر إحدى القنوات المغربية إلى تركيا لتصوير أحد برامج الكاميرا الخفية مع اثنين من نجوم هذه المسلسلات أو دعوتهم إلى المغرب لتصوير أحد الإعلانات.أضف إلى ذلك تأثير تلك المسلسلات على القيم المغربية الأصيلة. وبالمقابل تجد بعض الناس منبهرة بالنموذج السياسي التركي لدرجة أن منهم من نسى أنه مغربي. إن العيب ليس في القيادة التركية التي تعمل وفق استراتيجياتها العميقة و إنما العيب في من هو مسلوب الإرادة ويحتقر ذاته.وحتى نكون منصفين فهناك من هو منبهر بالنموذج الفرنسي و الأمريكي إلى آخره.
وإذا قمنا بجرد لتجليات الظاهرة في المجتمع المغربي،فنجد أنها تتخذ عدة أوجه تقافية:دينية وفنية واجتماعية ورياضية.والقاسم مشترك بين هؤلاء هو وجود فراغ فكري وثقافي لدى الأفراد سهل عملية الاختراق الفكري للثقافات الغازية.فلسوء الحظ هناك في المغرب من يقوم بشعائره وفقا لجدولة إحدى دول الشرق الأوسط دون حياء أو احتراما للأصول.فالجسد يوجد في المغرب لكن البرمجة عن بعد.وهناك من قرر لأسباب دينية تلقي تدريبا عسكريا في أحد البلدان الأسيوية سواء أكان مسلما أو يهوديا.وهناك مع هو مهووس بالحياة الشخصية للفنانين الأجانب وتقليدهم في كل شيء ما عدا النجاح في الحياة. وما يقع في قطاع الرياضة فحدث ولا حرج:فهذا متعصب للفريق الفلاني الأجنبي و الأخر للمهاجم الأمامي لدرجة أنه يساورك الشعور أن هؤلاء المتعصبين للفرق الأجنبية أجساد ملعوب بعقولها ووجب غسل أدمغتها من جديد وفقا للمصالح الإستراتيجية المغربية نظرا لهشاشة البنية الفكرية لهؤلاء وسهولة توظيفهم من طرف الأجانب لخدمة أجنداتهم. و السؤال الذي يطرح هو هؤلاء هم من يعول عليهم لدحر أي معتد على المغرب؟
إن هذا الاستلاب الفكري ناتج عن عامل أساسي هو ضعف القوة الناعمة المغربية وعدم قدرتها على جدب هؤلاء إلى النماذج المغربية.وأظن أننا في حاجة ماسة إلى تطوير هذه القوة لملئ الفراغ الحاصل في نفوس البعض لأننا لا نعيش وحدنا في الكون،بل هناك مؤثرات خارجية من كل حدب وصوب.والقوة الناعمة ناتجة عن التميز والتفوق على الآخرين والوعي بانتماء للذات الجماعية.فالبعض تجده ينجذب إلى ما هو خارج حدود بلده لشعوره بالنقص و احتقاره لذاته الجماعية. وما نحتاجه هو تشجيع الذات المغربية على الإبداع و التميز في الكون و لن يتأتى ذلك سوى بالرغبة في التفوق في جميع المجالات على الآخر خارج الحدود.فعندما يتمنى هذا الأخير أن يعيش مثلك آنذاك ستحس أنك أفلحت إلى حد ما في تطوير القوة الناعمة.
إن المسألة لا علاقة لها بالانفتاح على الآخر و إنما هي متعلقة بالتفوق المعنوي و التميز في الرؤية للعالم والأشياء.فالقوة الناعمة تتجاوز التشبث بالفلكلور إلى مستويات فكرية عميقة تجعل الفرد مندهشا أمام الثقافة الغازية يصعب معها تمالك كيانه الشخصي ويصبح شخصا مسلوب الإرادة أحيانا.و الحل الوحيد لمواجهة الغزو الثقافي بكل ألوانه هو تقوية الجبهة الداخلية عبر بناء الوعي الجماعي المغربي وفق المصالح الإستراتيجية المغربية و دعم النموذج الثقافي المغربي وتطويره و غرسه في نفوس الأفراد عبر التربية و التعليم و الإعلام و تسطير البرامج حتى تتولد لدى المواطن المغربي المناعة الكافية التي ستقيه من كل غزو فكري شرقي كان أم غربيا وحتى نحافظ على تماسك جالياتنا المغربية بالخارج و أن لا نتركها فريسة سهلة للغزاة. ونحتاج في ذلك إلى تضافر الجهود على كل المستويات والاستفادة من الذكاء الجماعي المغربي وتوظيفه أحسن توظيف و تربية الأجيال الصاعدة على الإخلاص والحفاظ على هذا الوطن و العيش بحرية و استقلالية فكرية غربية كانت أم شرقية.