ليس من شك في أنه بات واضحا ألا نستغرب من الوقائع التي راحت تنثال على المجتمع المغربي بشكل متقطع، لكنه متواصل، وفي السياسة كما في الفن بالنظر إلى المجالات والقطاعات الأخرى التي عادة ما لا يكون لها كبير تأثير في الناس والتي لا تمسّ "النصف الأيمن من عقل المغاربة" إذا جازت العبارة.

وكما تعلمنا الأنثروبولوجيا (الثقافية)، فمهما كان الحدث، أو الفعل، بسيطا فإنه لا يخلو من "دلالات"؛ بكلام آخر: "أي فعل بسيط يستدعي ما لا حصر له من فرضيات ومرجعيات" كما يقول الأنثروبولوجي المغربي اللامع عبد الله الحمودي في كتابه "الشيخ والمريد". ومناسبة هذا القول هو حدث اللقطة الجنسية للمخرج السينمائي نبيل عيوش في فيلمه حول الدعارة المغربية وعلى نحو ما هو مزمع عرضه في قاعات السينما داخل المغرب وخارجه.

وابتداءً لا بد من أن الإقرار بأن لاقتراب من مربع المخرجين أشبه من الاقتراب من ميليشيات مدجّجة بكتيبة توحدّها مصالح أخرى غير مصلحة الفن النبيلة دائما. ولذلك وبمجرد ما علّقت، بدوري، وعلى شاشة الفايسبوك، على اللقطة، وعلى النحو التالي: "أعتقد أن نبيل عيوش من النوع الذي ليس بإمكانه التمييز بين القيم والسلوك، أو أن هذا التمييز هو ما لا يهمه، ومهما كان فالسينما مطالبة بالتعبير عن الثقافة ومن دون شك في تشابكاتها وتقاطباتها لكن ليس على طريقة هذه اللقطة التي تبدو مقحمة. وقد يقال اللقطة متداولة على صعيد الواقع، ولكن هل المطلوب من السينما مجاراة مثل هذا الواقع؟ أنا لا أطالب بعدم التعاطي لموضوع الدعارة، لكن بأية خلفية يتم التعاطي لها؟ ومن هو المخاطب الذي نتوجّه إليه؟ لقطة من هذا النوع لا تخدم إلا "الاستشراق الجنسي البائس".

حتّـى كان الردّ السريع عليّ، وفي إطار من تلك "القصدية المعهودة"، وعبر السؤال ــ الفأس، "هل شاهدت الفيلم بأكمله؟" في دلالة مضمرة على عدم جواز الكلام، أو الحكم، ما لم يتم التعامل مع "الحدث" في سياقه العام حتى لا نسقط في إهدار هذا السياق وكأننا هنا ــ وعلى ذكر "إهدار السياق" ــ وحتى نواصل الكلام بلغة "أهل الحجاج" ــ أمام "نص قوي" لا يقوى على فك مستوياته إلا قارئ حصيف ونبيه ومقرّب من أنوية الأشياء.

وكان ردي: "أخي [...] لم أشاهد الفيلم فعلا، وعندما نقرأ قصيدة مطوّلة قد يستوقفنا فيها بيت طائش ومخل ببنيانها بأكمله. ومن خارج "علم النفس النوايا" فاللقطة، التي شاهدها كثيرون في اليوتوب [951593 في ظرف ثلاثة أيام]، لا يمكنها أن تكون غريبة على نبيل عيوش وعلى مجموعة من المخرجين المصرّين على "الإساءة" بمعناها الفني وليس الأخلاقي. المشكل الفاضح، هنا، في غياب مخرج بإمكانه الاضطلاع، وبمعنى من المعاني، بدور المثقف، وفي إطار من السينما وبالسينما وللسينما، كما يحصل في تجارب بلدان أخرى. إجمالا، وبكل تواضع، لست ضليعا في السينما، ولكن المعايير الاجتماعية تفرض ذاتها بقوة وإلحاح. أنا فخور بمخرجين ومخرجات، من المغرب، وإلا ما الذي جعل 5 فاصلة 5 مليون من المغاربة يتابعون مسلسل "حديدان".

واستحضار الردين، هنا، ليس من أجل الاستعراض، وإنما من أجل التأكيد على ضرورة "التدخّل" في النقاش العام وعلى افتراض أننا نتوفر على نقاش من هذا النوع نتيجة آلة اللغة العامة المتيبسة التي تطال أشكال من التواصل بمجتمعنا. وفي جميع الأحوال لا املك إلا أن احترم صاحبي بالرغم من "مناصرته" لنبيل عيوش بعامة (!) وليس لمجرد هذه اللقطة. ومهما كان، وهذا هو نظري، لا ينبغي أن نقبل بهذه اللحظة لأنها مهما كانت جزئية فهي محكومة أو منتظمة ضمن "سياق" ينبغي الوعي به. ومثل هذا السياق هو الذي كانت الممثلة ــ الناطقة باللقطة ــ مجلى له، ولذلك لا ينبغي ــ وهذه نقطة خلافية ــ التركيز عليه أكثر من اللازم.

الأكيد أن النقاش لا يمكنه إلا أن يطول ويطول بخصوص موضوع في هذا الحجم، بالرغم من بساطته الظاهرة على مستوى النقاش، ولذلك أجزم أن السؤال، العريض والصريح والجارف، الذي ينبغي طرحه بجرأة هو التالي: هل بالفعل يقرأ مخرجونا؟ إن هذا السؤال هو الذي يفسر غياب تمثلات المثقف في أداء المخرج. أجل نحن لا نطالب بمخرج قارئ، جارف، للمصنفات والمصادر والأعلام والمراجع الكبرى... إلا أننا، ومن ناحية مقابلة، نطالب بمخرج مقنع على مستوى "الأفكار الأساسية" التي تحرّك مجتمعنا. والمؤكد أن مثقفا من هذا النوع هو الذي يحمي المخرج من القفز على المعايير الاجتماعية.

أجل إن الدعارة معطى تاريخي في مجتمعنا، ولا نقول لا ينبغي التعاطي لها، لكن المشكل في "هوية" من يتعاطي لها. وقبل شهرين، أو ثلاثة، نشرت، في العدد الأوّل من مجلة "أسطور للدراسات التاريخية"، مراجعة مطوّلة للتحقيق الإثنوغرافي الذي أنجزه الفرنسيان موري وماتي حول الدعارة في حي بوسبير على عهد الاستعمار العام 951، وأهم ما يستخلص منه طابعه الإنساني المناهض للعبودية والاستشراق الجنسي لكي لا نقول "الاستشراق الجنسي العملي البائس" الذي سقط فيه نبيل عيوش. وللمناسبة لا ينبغي أن يفهم، من مقالنا، أي نوع من التحامل على هذا الأخير... ما يهمنا الاعتراض عليه، وفي وضوح تام، هو "خطابه" ومصادره وبما في ذلك المصادر المموّلة له وبشكل مدروس ومستثمر.

ولا ينبغي أن يستخلص من كلامي مناصرة "نظرية المؤامرة" أو القول بأن جميع مآسينا دخلت إلينا في حقائب الصهيونية. موضوعنا هو السينما التي ليست هي تصيّد اللقطات وفي إطار من ذلك النفق الذي يتجاوز "الماركتينك" ذاته ــ كما استخلصه أصدقاء من تجربة نبيل عيوش ــ نحو الخلط ما بين أخلاقيات السينما (والفن بعامة) ولا أخلاقيات التجارة في أبشع حساباتها المضمرة.