كثر الحديث عن "الديمقراطية المغربية" في الأوساط العربية والإسلامية، خاصة في المشرق العربي، حيث نلاحظ قامات وازنة في عالم الفكر والسياسة، وقعت ضحية الدعاية المغربية، ولعل فشل التجارب الثورية التي أفرزها الحراك العربي، جعل هذا العقل العربي والإسلامي يبحث عن ملاذ له في التجربة المغربية "الإصلاحية"، عزاء له عن عقد الفشل المركب والإشكالي، وفوبيا التردي الدائم!..

إنه عقل ثراتي ريعي يجنح إلى التهويل أو التهوين، ويستأنس بالمقاربات الحدية، ويحتضن بين ضفافه الكثير من الثنائيات المتخاصمة.. لم يعش مخاض الأجيال الثلاث لحقوق الإنسان، ويكتفي بالعيش على هامش القوة، ويقتات من متون الاستبداد العريق.

ففي لحظة الهزيمة ينبطح، ويحشر نفسه في إطار السقوف الواطية، ويشرعن لسلطة الإغتصاب والتغلب، باسم الدين والتاريخ والثرات والحداثة أحيانا..

وفي لحظة الانتصار يستعلي ويبطر، وينزع نحو الفوضى والتشرذم، ويتذرع بالقوة والعنف سبيلا لحل مشاكل الخلاف والتنازع..
لذلك نجد هذا العقل العربي والإسلامي، يصدر بين الفينة والأخرى الكثير من أحكام القيمة، حول "التجربة الديمقراطية المغربية"، متذرعا بموازنات منقوصة، وقياسات فاسدة، في حين نجد الكثير من المحللين الغربيين لا يقعون في مثل هذه التوصيفات الخاطئة.

لذلك جاءت الكثير من التقارير الغربية تصف الديمقراطية المغربية، بأنها "ديمقراطية افتراسية" تحتكر فيها سلطة الوصاية القرار، وتدع للفاعل السياسي هامش "التنزيل الديمقراطي"، الذي يصطدم بعدة إكراهات، فيتحول الفاعل السياسي إلى "دفتر وسخ" تمسح به أوساخ وأدران المتنفذين والفاعلين في الظل.

ففي "التجربة المغربية" هناك فاعل بالمجاز، يخدم السلطة ولا يمارسها، وحول هذا الهامش، تثار المعارك السياسية، وتخاض الانتخابات، وتشكل الحكومات والبرلمانات والجماعات..

وهناك فاعل على الحقيقة، يمارس السلطة، ولا يتحمل مسؤوليتها، وحول هذا الجدار العتيق تتم الكثير من التعيينات، التي تعلو الإرادة الشعبية وتتجاوزها وتحتقرها، وضمنه يمكن أن نتكلم عن سلطة حكومات الظل، وسلطة الولاة والعمال والباشوات والقياد والأعيان..

وحول حدود الفاعل بالمجاز والفاعل على الحقيقة، تلتبس الكثير من المفاهيم على العقل العربي والإسلامي المحلل من الخارج، والتائه في بيداء عربية تسودها التسلطية والاستبداد، كلما رأى سرابا بقيعة يحسبه ماء!.

ثم إن "تجربة سلطة التحكم الافتراسية" في "التجربة الديمقراطية المغربية"، تحول الكثير من الأقانيم الديمقراطية إلى واجهات تؤثت بها ديكورها السياسي، فسلطة التحكم والوصاية تعمد دائما وأبدا إلى شل المؤسسات الدستورية وإضعافها، والحيلولة دون القيام بمهامها، وتحل محلها، ولذلك تجد في المغرب الجميع يتشكك في مبادرات الأحزاب والمنتخبين والمؤسسات الدستورية، ويثق في مبادرات سلطة التحكم وحدها، يثق في مقدم الحي والشيخ ولا يثق في الفاعل الحزبي والجمعوي، ويتهمه بالريع والتبعية، ويثق بالعامل والوالي ولا يثق بالمنتخب والمستشار الجماعي، ويتهمه بالكذب والانتهازية، وهكذا دواليك كلما صعدنا نحو الأعلى!.

وتعمد سلطة التحكم دائما وأبدا، إلى تجديد نخبها السياسية، بعيدا عن دائرة التداول على السلطة، وقريبا من دائرة الاحتواء السياسي، فالأحزاب السياسية هي قوى إسنادية تبرر وتشرعن لسلطة الوصاية، ليس إلا!.. وكلما نفذت بطارية مكون سياسي، استعاضته "سلطة التحكم" بعذرية فاعل سياسي جديد، يجدد عصبيتها وشوكتها، حتى لا تقع في الاحراج، ويطالها قانون الهرم..
ولذلك كان ديدن النظام المغربي هو الانكباب الدائم على احتواء النخب الجديدة، لأنها دماء جديد تصب في جسده المتصلب، فتمنحه المزيد من المرونة والانتقالات السلسة لتجاوز حالات الانسداد.

ولذلك لا يمكن لفاعل سياسي ما أن ينجح،إلا إذا تقرب من سلطة القرار مهادنة وتزلفا، واندمج في نسق التحكم والوصاية، أما إذا استعصى أو استشكل، فإنه يسقط من العربة السياسية، تضييقا ومنعا، وما حصل لأول حكومة مغربية بقيادة عبدالله ابراهيم بعيد الاستقلال، خير مثال على ذلك.

ولكل الفضلاء من أصحاب الفكر والسياسة العرب والإسلاميين نقول: إن الديمقراطية المغربية هي ديمقراطية شكلية، تهذر الإرادة الشعبية، وتخضع لسلطة التحكم والوصاية.. فتنبهوا!

فهي تشترك مع الديمقراطية الحقة في الأشكال والمباني، وتختلف عنها في الدلالات والمعاني، وفي هذا يتحدد مفهوم "الاستثناء المغربي"..

فهو استثناء ذو حدين:
اسثناء يتمايز عن النموذج الكوني الديمقراطي، ويتمايز عن النموذج العربي التسلطي، مرعاة للخصوصية المغربية، التي تتبنى مشروعا تقليداويا، مزينا بطلاء الحداثة.. لكنه لا يراوح مرتبة الدولة التسلطية الاستبدادية.