لم يعد أحد يهتم اليوم بتعريف الارهاب، الذي لطالما عقدت ندوات ومؤتمرات دولية من أجل ذلك ؟ولا بأسبابه، التي أختلفت باختلاف المنطلقات والمواقع للباحث نفسه؟ وهو ما جعل الاختلاف والتباين حول التعريف مستمر ولم يتم الحسم فيه حتى الآن؟

وقد تولى الاعلام الحسم في تمييز حالات العنف المعتبرة مشروعة وتلك غير المتصفة بذلك، فقد صوره فعل نمطي لصيق بالعرب والمسلمين، وتراه يركز اهتمامه على الضحايا من غير جنس العرب ومن غير دين الاسلام . فاستقر وعي وضمير المجتمع الدولي على أنه فعل مدان يجب شجبه، والمساهمة والمشاركة في محاربته أو على الأقل التزام الصمت، تحت طائلة انت محرض عليه أو مشيد به.

إلا أن تجاوز الاختلاف والتناقض في وصف الارهاب وتعريفه قسرا، وترك النقاش على حاله، لم يمنع من استمرار التباين نفسه حول طبيعة ومصدر وشكل الارهاب الحالي في الغرب، هل هو خارجي المنشىء ونتيجة لارادة خارجية توفرت لديها نية وقصد تصديره إلى داخل الدول الأوروبية والغربية ؟ أم داخلي الخلق والنماء؟

ومع بروز هذا الاختلاف، المرشح أن يعمر بدوره طويلا في محاولة تحليله أمنيا وأكاديميا، ومحتمل أن يشكل مادة للاستعمال والتجادب السياسي بين أحزاب اليمين واليمين المتطرف واليسار الاستراكي والراديكالي والأحزاب القومية في الدول الغربية، لتدافع المسؤولية بينها في فشل تدبير المشكل، قبل أن يتحول الى آفة، الى هذا الفريق أو ذاك، في محاولة لكل منها دعم وتقوية مركزها الانتخابي لمن يستطيع الصاق الفشل بالآخر.

فإن هذا السجال، لا محالة سيغطي على أولوية البحث في انتقاء أحسن الاستراتيجية والسياسة الناجعة لمحاربة الارهاب؟ فما بين تركيز اهتمام الدول الغربية على إحتواء الخطر الداهم والمحدق الذي تشكله العمليات الإرهابية و تعقب الارهابيين، و تشفي الانتقام سريعا من المصدر الذي تبنى العمليات، داعش، قد يكتشف العالم أنه أخطأ السبيل والهدف.

ذلك، أن إرادة تطويق الارهاب والقضاء عليه الحالية، ولئن هي ضرورية ، فهو ينحو لاعتماد أسهل الحلول عن طريق الزيادة في تسلط الدولة، واللجوء الى سياسات الطوارىء والاستثناء والمداهمات، وقمع الحقوق والحريان.

وهي سياسات كانت مقررة فقط لزمن وحالة الحرب. إذ أن وصف مجرد ذئب منفرد سارد وتائه، أو حتى كوماندو واحد بمثابة كيان دولة، واعلان الحرب عليه، هو الخطأ نفسه، لأن ذلك يحول البحث في الجذور الحقيقية واقتلاعها.

نعم قد يسكت الجميع الآن، أمام هول الصدمة والفاجعة وشدة الخوف والفزع والاضطراب، لكن حتما، سيستيقظ الوعي الفردي والجماعي، في المستقبل القريب، أو حتى البعيد، غدا، او بعد غد ، او بعد سنة، أو بعد عشر سنوات، وسيتملك الجرأة التي افتقدناها الآن، وسيطرح السؤال، الذي لا نجرأ على طرحه الآن، من كان السب في بروز الارهاب وتطوره الى ما وصل عليه الآن؟

حتما، الجميع يتحدث عن الأسباب المباشرة، في رعونة الأجهزة الأمنية والاستخباراتية، وفي عدم قدرتها الكشف عن المخاطر قبل وقوعها واستباقها، وهو المتداول اليوم. وقد يذهب البعض الآخر وفي نفس الاتجاه الى عدم تقدير قدرات داعش في تصدير العنف، والوقوع في خطأ أثناء مقارنتها بالقاعدة، أو حتى في تهميش احتمال تأثير هذه الحركات في شباب خلق و ترعرع في تربية ومناخ غربي.

صحيح، قد يكون لكل ذلك قسط في حدوث العنف ، لكن للارهاب أسباب ذاتية وموضوعية تكمن في التربية، سواء داخل البيت أو المدرسة أو الشارع أو في أماكن العبادة والموعظة.

ويكمن أيضا في انتهاج سياسات عمومية ملؤها الاقصاء والتهميش والتمييز وفشل خطط الاندماج . وناتج في طبيعة السياسات الخارجية لمجموعة من البلدان الأوروبية؛ تدخلا وعدوانا حينا، وتحالفا مع الظام والاسبداد تارة أخرى و مساهمة في انهيار أنظمة وخراب دول أو حتى داعمة لمنظمات ارهابية تتمرد عليها فيما بعد.

لكل ذلك نصيب وفرصة لتنامي فكر التطرف والعنف والارهاب، فمتى تدرك المجموعة الدولية ذلك، فالارهاب لا أحد في منأى عنه، فالعالم في مركب واحد ننجو جميعا أو نموت جميعا.

صبري الحو، المحامي بمكناس
خبير في القانون الدولي، الهجرة وشؤون الصحراء.