ألتمس من الشاعر التونسي المتألق والذائع الصيت في شبكة التواصل الاجتماعي، أنيس شوشان الموافقة على اقتباس بعض مصطلحاته لكتابة خاطرة اليوم. وبما أنني أعرف كرمه ونبله، فسأتفضل على نفسي وعلى كل القراء بما جال في أعماقي.

السلام على من يدعمني ويساندني، والسلام حتى على من يخونني ويكفرني ويشيعني. وللجميع أبارك الصيام والقيام وأهدي أعطر تحية.
اختلاف الفكر يؤذينا. اختلاف الدين يؤذينا. اختلاف المذهب يؤذينا. اختلاف اللون يؤذينا. اختلاف الجنس يؤذينا. اختلاف اللغة يؤذينا. اختلاف الذوق يؤذينا. اختلاف العرق يؤذينا.
الاختلاف يؤذينا. يطاردنا ونطارده. نهاجمه بعاطفة تقتل العقل فينا. نواجهه بالشتائم والتكفير والتخوين. نحجب شمسه بالغربال ونضع أصابعنا فوق عيوننا كي لا نراه، ونغلق آذاننا بالشمع كي لا نسمع صراخه وأنينه. ومع كل ذلك يظل هنا بجسمه الضخم وعينيه الجاحظتين، يوبخنا ويطالبنا بالحكمة والحوار والتروي وتحكيم العقل حقنا للدماء وردأ للمخاطر.
فإلى متى سنظل صما نرفض الاعتراف به وسماع صوته؟. وإلى متى سنظل نغلق كل العيون كي لا نراه؟ إلى متى سنوهم أنفسنا أننا نملك الحقيقة المطلقة التي لا يشق لها غبار؟ إلى متى يعتقد البعض أن بيده مفاتيح الجنة والنار يدخل إليهما من يريد حسب نزواته وأهوائه؟ لِم لا نفوض أمرنا إلى الله ليحكم بيننا فيما اختلفنا فيه ونكتفي بتهذيب أنفسنا وحثها على الأخلاق السمحة، ورعاية هذه الإنسانية التي تسكن أحشاءنا لتصنع لنا شخصا إيجابيا في مجتمعه ينشر العلم وقيم التسامح والسلام. أن يدافع الإنسان عن هويته ولغته وقناعاته الفكرية والدينية والمذهبية، فهذا شيء محمود وطبيعي. لكن أن يعتقد أنه وحده هو الحق وأن لا صوت يعلو فوق صوته، وأن الآخرين في ضلال، فهذا غرور وعقم فكري لا يصنع حوارا ولا مجتمعا متجانسا.
هل من المنطقي أن يظل القومي حريصا على إقصاء الإسلامي من الحياة العامة وتهميشه والدعوة إلى اعتقاله وسجنه وتعذيبه؟ وهل من المنطقي أن يظل الإسلامي يعتبر نفسه ممثلا للسماء في الأرض، يفرض قناعاته على المجتمع، ويوظف الدين لغايات دنيوية ويكفر ويخون كل من اختلف معه. أليس الشعب صاحب السلطة الحقيقية، هو من يقرر من يحكمه عبر الصناديق، وما للجميع إلا الإذعان؟ متى سنقتنع بالتداول السلمي على السلطة؟ متى سنؤمن بالمواجهة الفكرية وبضرورة تقديم مشروع نهضوي متكامل للأمة ومناقشته بطريقة علمية هادئة مع من يختلف معنا، بعيدا عن الدوغمائية العقيمة والتشنج؟
إلى متى سيظل السني يصف أخاه الشيعي بالرافضي والمجوسي، مع أنه لا يعبد إلا الله ولا علاقة له بعبادة النار؟ وإلى متى سيظل الشيعي يصف أخاه السني بالناصبي، ويلعن أبا بكر وعثمان وعمر وباقي الصحابة وأمهات المؤمنين؟ ألم يكن كل هؤلاء الصحابة إخوانا لعلي كرم الله وجهه؟ فآل البيت الأطهار قدوتنا جميعا. ألم ينهنا الإسلام عن لعن هذا وتسفيه ذاك وأمرنا بالجدال بالتي هي أحسن؟. ألسنا سنة وشيعة، مسلمين ومسيحيين، عربا وبربرا وكردا أبناء وطن واحد وأمة واحدة وحضارة واحدة؟
وما دمنا لا نؤمن كعرب بشعار عنوانه ًالله الوطن الشعبً في إطار ثوابت راسخة ترتكز على العروبة والإسلام واللغة العربية كمشترك جمعي، فسيظل الشعب مغيبا ويظل الحاكم يتخذ قراراته حسب مزاجه وأهوائه، ولا بأس إن تعارضت مع الصالح العام وثوابت الأمة وحقها في الاستقلال اللغوي والاقتصادي والابتعاد عن التبعية المرضية لقوى الاستعمار. فالحاكم إلى زوال مهما طال حكمه، والشعب باق لا يموت.
مؤاخذاتنا على الإسلاميين كثيرة ولا حصر لها. فهم من وضعوا أيديهم في يد الناتو لتدمير ليبيا وسوريا، وها هو القرضاوي منظرهم الأكبر يطالب أمريكا بالتدخل في مصر، وهو يعلم في قرارة نفسه أن أمريكا لا تحل إلا ويأتي معها الدمار والخراب والطائفية. وهم من أتوا، شيعة وسنة، على ظهر الدبابات الأمريكية لتدمير العراق وإهدائه على طبق من ذهب لإيران ولأمريكا، وتحويله إلى دولة طائفية فاشلة لا مكان فيها للولاء للوطن. ومن رحم الإسلاميين خرجت داعش والنصرة والحشد الشعبي وفيلق بدر وجيش المهدي للتحريض الطائفي والقتل والذبح على الهوية.
من حق الإسلاميين أن يتهموا القوميين بضيق الأفق وإقصاء الآخر والانقلاب على شرعية الصناديق. وهم محقون في ذلك، ما دمنا كقوميين لم نجدد الخطاب القومي ما يتماشى مع المستجدات، وظللنا نفكر بعقلية السبعينيات ونواصل نحر أنفسنا في صراعات لا فائدة منها بين بعثيين من سوريا وآخرين من العراق وناصريين. ما زلنا إلى الآن ننبش القبور ونتحدث عن هفوات هذا وأخطاء ذاك عوض البناء معا لمشروع قومي نهضوي ديموقراطي يحترم فكر الآخر ويتفاعل معه ويناقشه بطريقة حضارية.
إلا أننا كقوميين، لم نشرب نخب المحبة مع العدو الصهيوني كما فعل أردوغان زعيم الإسلاميين العرب السنة، ولا وصفنا بيريز بالصديق الحميم كما فعل مرسي. نحن نرفض الاعتراف بكيان صهيوني فوق فلسطين، ووحدهم سوريا الأسد وعراق صدام وليبيا القذافي من رفضوا الانحناء للصهاينة وما أملته عليهم الإدارة الأمريكية، فكان مصيرهم دمار أوطانهم. هكذا ظل الأسد واقفا في وجه المؤامرات رافضا مقترح الصهاينة بإعادة الجولان مقابل التخلي عن المقاومة في لبنان وفلسطين. اختار دعم المقاومة في وقت يُستقبل فيه الصهاينة في إفران بالأحضان ويخرج علينا آل سعود بمبادرة جهنمية لتصفية القضية الفلسطينية.
سنظل، في إطار حرصنا على وحدة الأمة، نطالب بنبذ التحريض الطائفي وندعو إلى حوار هادئ وعقلاني تسوده الحكمة والتبصر بين كل التيارات الفكرية الموجودة على الساحة دون تهميش أو إقصاء. فأهلا بكل من يرفض العنف وحمل السلاح للتخريب والإرهاب. علينا أن نضع نصب أعيننا مصلحة أمتنا العربية وحقها في الديموقراطية والعيش الكريم. فكلنا أبناء وطن واحد وواهم من يعتقد أنه سيستطيع اقتلاع الآخر