إن المنعطف الدستوري الجديد خلق تحولا في الدولة المغربية في المبنى والمعنى، إلا ان الممارسة السياسية لم تواكب هذا التحول الدستوري العميق، في ظل غياب نخبة سياسية لها ثقافة ديمقراطية تترجمها في اطار ممارسة مؤسساتية تبلور فلسفة الدستور وما تفرضه من حنكة سياسية افقها تكريس المواطنة .
كان مأمولا من حكومة ما بعد دستور2011 أن تكون حكومة مواطنة، يعكس برنامجها الحكومي تحقيق الموازنة بين المصالح الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والرمزية المتصارعة والمتنافسة، برنامج حكومي متسلح بعقل سياسي خلاق، يتسم برصانة تتجاوز النزعة الحزبية الضيقة وتجعل من آلية التشريع تجسيدا لفلسفة المواطنة . بعيدا عن النزعة الإيديولوجية الضيقة الغارقة في الذاتية والتي تميل للضبط تحت مبررات مختلفة.
فبنكيران لا هم له سوى العض على السلطة بالنواجد، الأمر الذي جعله لا يتلاءم مع منطق رئاسة الحكومة .
فالهوس الانتخابي جعل بنكيران يرفض تحمل مسؤوليته السياسية لسياسته اللا شعبية، ويبرر التنصل من وعوده الانتخابية بوجود قوى هلامية؛ تبريره هدا يُشيع الخوف، مُوهما المخيال الشعبي بعدم قدرته على الفعل. اذ جعل من خطاب المؤامرة قوتا للاستهلاك الإعلامي، مكنه من تصدير أزمته الداخلية و سلوكاته الغامضة والمتناقضة من أجل الحفاظ على وحدة تنظيمه و إعفائه من المحاسبة الشعبية. و لعل هذا ما يفسر تجاهله لدعوات ترسيخ الخطاب المؤسساتي العقلاني، وما يتطلبه ذلك من وضوح وإقناع فسلك عوض ذلك نهج المناورة كأسلوب للبقاء في السلطة.
فكلنا شاهد على ممارسة بنكيران الغارقة في تمجيد الذات، وتضارب تصريحاته لاخفاء المعلومات الصحيحة، في الوقت الذي يعمل حزبه على شحن الرأي العام، إما هم، أو قوى الفساد.
هذا الجو المحموم لم تنتبه حكومتنا أن التحول الدستوري جاء لكي يجيب عن سؤال الوضوح والحرية والديمقراطية وتكريس العدالة الاجتماعية.
في ظل تيهان الحكومة عن الإجابة عن هاته الأسئلة، نجد أن الاتحاد الاشتراكي لم يكن في الموعد، و لم يف بالمهام النضالية من موقعه في المعارضة، التي كانت تفرض عليه تجديد هويته ليقدم البديل الذي يجيب عن الأسئلة السالفة الذكر، من أجل مواجهة الحكومة المحافظة، و بلورة المخرجات من موقعه في المعارضة تجسيدا لشعار المؤتمر التاسع "معا من أجل بناء مغرب الديمقراطية و الحداثة".
انقسم الجسد الاتحادي إلى ثلاث تيارات، تيار التسلط التنظيمي المهمين على الأجهزة المسيرة والتيار العائلوقراطي المنشق، والتيار الفكري لأولاد الشعب صاحب الرؤية الخلاقة. بالإضافة الى شردمة المُزايدات و المُزايدين الذي ارتموا في أحضان قوى التدين السياسي، الذين استغلوا حالة الانحباس السياسي واتجهوا إلى خدمة أجندة بنكيران و عصبته أملا في الاستفادة من الريع الحكومي أو لحماية مصالحهم التي راكموها إبان عشرية التحديث.
أمام هذا الزخم والاختناق التنظيمي بات معه مطلب عقلنة المؤسسات الاتحادية، مطلبا خارجا عن مفكرة تيار التسلط التنظيمي و التيار العائلوقراطي (الانفتاح و الديمقراطية سابقا). هذا المطلب الذي رفعه تيار أولاد الشعب من خلال وثيقة الاختيار الحداثي الشعبي كاحدى أهم الوثائق الحزبية بعد وثيقة الاختيار الثوري للمهدي بنبركة، و إستراتيجية النضال الديمقراطي لعمر بنجلون. والتي تطالب الضمير الجمعي الاتحادي بالزامية تحيين المشروع و الأداة الحزبية من أجل مواكبة التغيرات السياسية والإجابة على مطالب الجيل الجديد، مشددين على أن قوة الفكرة الاتحادية تتجلى في قدرتها على التجدد المستمر وتقديم الإجابات في كل مرحلة.
فالعقل الاتحادي مدعو إلى طرح خارطة طريق، تضمن مواكبة اللحظة المفصلية التي يعرفها مجتمعنا، عبر تجدد حداثي، يكون أساسه وضوح هوياتي من خلال بلورة خط سياسي يعتمد الوضوح منهجا والديمقراطية أسلوبا، والحداثة ممارسة. هذا النهج هو الكفيل بجعل الفكرة الاتحادية حاضنة شبابية واعية ومسئولة، متحررة من عقد الماضي، تجعل الفضاء الحزبي، مجالا للإبداع. لكون الفكرة الاتحادية هي أكبر من أن تلصق بشخص أو بفئة، فهي مشروع متجدد عبر الأجيال. هاته الفكرة باتت اليوم حاجة وطنية ملحة تفرض حوارا حقيقيا ذو مصداقية يقوم أولا على اساس نقد ذاتي للتجربة الحالية .
و كذلك المصالحة و التوحد حول خط سياسي عقلاني قوامه هوية واضحة، و ليس اجترار مصطلحات للترويج الاعلامي.
هنا اركز على خطاب الأمل من أجل غد سياسى أفضل حول مآل الأوضاع التي عرفها حزب القوات الشعبية من صراعات هدامة، و الانتقال الى مرحلة الحضور السياسي الفعال، يتسنى فيه لكل الاتحاديات و الاتحاديون الحق في تقرير مصير حزبهم.
و إنتشاله من الذاتية الحزبية و من مستنقع الفشل الحالي، باصلاح النظام الداخلي للحزب من أجل استيعاب التطورات الدستورية و مأسسة التيارات، فالديمقراطية الحقيقة تنطلق من احترام حقوق الاقليات و ضمان تمثيلها في مختلف الأجهزة.
ان تكريس هذه القيم كفيل بفسح المجال للطاقات الاتحادية المبدعة التي تشكل قاعدة للتوافق الاجتماعى والجيلى للانطلاق نحو إصلاحات شاملة ومصالحة بين الأجيال داخل الاتحاد الاشتراكي .