بديل ــ العربي الجديد

في هذا المقال المثير، يهاجم الكاتب الصحفي، علي أنوزلا، الديبلوماسية و الحكومة المغربيتين، على خلفية الأازمة الإعلامية التي عرفتها العلاقات المصرية المغربية، خلال الأسبوع قبل الماضي.

 كما تطرق انوزلا في مقاله إلى "تبعية الإعلام الرسمي" للسلطة بالمغرب، مبرزا أن الضحية الوحيدة بعد كل هذه التطورات الحاصلة في العلاقات بين البلدين هو الرأي العام المغربي.

ولم يُغفل الكاتب، في مقاله، مهاجمة أتباع حزب "العدالة و التنمية"، الذين نعتهم بـ"اصحاب الموقف" المحرج، على خلفية وصف الإعلام الرسمي لما حدث في مصر بـ"الإنقلاب" على الشرعية، لكن سرعان ما تغير كل شيء مع زيارة وزير خارجية السيسي للمغرب.

وهذا نص المقال كاملا:

على الطريقة العربية، كان يكفي أن يأتي وزير خارجية مصر إلى المغرب ويلتقي نظيره المغربي، ويستقبله الملك، لتطوى صفحة “الحرب الإعلامية” التي اندلعت بين البلدين. فما الذي جرى؟

لنبدأ من نهاية القصة، والتي لخّصها البيان المشترك المطول الصادر عن لقاء وزيري خارجية البلدين، وفيه يعيد المغرب التأكيد على “موقفه الداعم لمسار التحول الديمقراطي في مصر، ومساندته لخارطة الطريق التي تبناها الشعب المصري عقب ثورة الثلاثين من يونيو”، ويعتبر أن “انتخاب فخامة الرئيس عبدالفتاح السيسي” جرى في “انتخابات حرة ونزيهة تعبر عن الإرادة الساحقة للشعب المصري”، ويؤكد وقوف المغرب “بحزم إلى جانب مصر في مواجهة الإرهاب، وإدانته أي أعمال تستهدف زعزعة استقرار مصر وأمنها”. وهذا الموقف نفسه سبق أن عبر عنه المغرب مباشرة بعد الانقلاب على أول رئيس مدني منتخب في مصر يوم 3 يوليو/تموز 2003.

لكن، ما بين الموقفين، الأول والذي أٌعيد التأكيد عليه أخيراً، كان هناك موقف آخر عبرت عنه القناتان الرسميتان المغربيتان، قبل نحو ثلاثة أسابيع. فقد وصفتا، في تقارير إخبارية، ما جرى في مصر يوم 3 يوليو 2013 انقلاباً عسكرياً قاده الجيش، بقيادة عبدالفتاح السيسي، ضد رئيس منتخب هو محمد مرسي، وأنه عطل العمل بالدستور، واعتقل مئات من المعارضين، وأجهض مسلسل الانتقال الديمقراطي، ووضع حداً لمطامح الشعب المصري. وتعدت هذه التقارير الرسمية توصيف الانقلاب إلى الحديث عن تردي الأوضاع الاقتصادية في مصر منذ الانقلاب، وتراجع حريات الصحافة، واعتقال الصحافيين، وقتل المعارضين.

وكما هو معروف، فإن الإعلام العمومي، في دول مثل المغرب، رسمي بالدرجة الأولى، فهو مجرد بوق تابع للسلطة. ولذلك، وصف المراقبون هذا التغيير في لهجة الإعلام الرسمي المغربي بـ”الانقلاب” في الموقف المغربي الرسمي من الانقلاب العسكري الذي حدث في مصر.

الآن، وبعد أن عادت الأمور إلى ما كانت عليه، كما كان متوقعاً، وانقلبت السلطة في المغرب على إعلامها الرسمي، وأعلنت مجددا تأكيد تأييدها الانقلاب على إرادة الشعب المصري، فإن ضحية كل هذه “التقلبات” الانقلابية، هو الرأي العام المغربي. لأن ما ينم عنه هذا الموقف في العمق هو عدم احترام هذا الرأي العام والتلاعب بمشاعره، بل وخداعه. والمسؤول عن هذا الإخلال الجسيم بأحد ركائز أخلاقيات المهنة، وهو مصداقية الخطاب الإعلامي، هي السلطة التي تتحكم في الإعلام الرسمي في المغرب، والحكومة التي تعتبر المسؤولة عنه كقطاع عمومي يمول من أموال دافعي الضرائب، ووزارة الاتصال الوصية عليه، ومدراؤه الذين لا يخضعون لأية محاسبة، وأخيراً الصحافيون الذين باسمهم ترتكب كل هذه “الانقلابات” على أخلاقية مهنتهم، وهم صامتون!

أما الذين هللوا لليقظة المتأخرة للإعلام الرسمي المغربي، لأنه أدرك بعد 17 شهرا أن ما حصل في مصر انقلاب، فلا يستحقون إلا الإشفاق عليهم، ليس لأنهم خدعوا بموقف إعلام رسمي لا يمكن الثقة فيه. ولكن، لأنهم لا يريدون أن يدركوا، وحتى من يدركون منهم ذلك لا يريدون أن يُقرّوا بأن الإعلام الرسمي في البلدان السلطوية لا يمكنه أن يكون سوى لسان حال سيده. وبالفعل، عندما أعاد الأخير التأكيد على موقفه السابق المؤيد للانقلاب، تُلي بيانه في القناتين نفسيهما اللتين انتقدتا قبل ثلاثة أسابيع فقط الانقلاب!

بقي أصحاب الموقف الحرج، وهؤلاء هم أعضاء الحزب الإسلامي لرئيس الحكومة المغربية، الذين اتهمهم إعلام الانقلاب في مصر بأنهم من كانوا وراء “دَسِّ” تقارير إخبارية مناوئة للانقلاب على قنوات تلفزية رسمية مغربية. والمؤكد أنه بعد صدور هذه التقارير، احتفى بها الموقع الرقمي الرسمي لحزب رئيس الحكومة، وصرح وكتب قادة من الحزب نفسه ينوهون بتغير لهجة الإعلام الرسمي الذي يوجد بالمناسبة تحت وصاية وزير ينتمي إلى حزبهم، وتحت إشراف حكومة يقودها حزبهم! لكن، ومنذ أعادت السلطة التأكيد مجدداً على تأييدها الانقلاب العسكري في مصر، ابتلع هؤلاء ألسنتهم، ولم يصدر عنهم أي رد فعل، وهو ما يطرح سؤال علاقة الأخلاق بالسياسة.

وبالنسبة للسلطة المركزية في المغرب، لن ينتقص من شأنها إذا ما مارست السياسة على الطريقة المكيافيلية، لأن نظرية صاحب كتاب “الأمير” تقوم أساسا على مبدأ “الغاية تبرر الوسيلة”، ولا مانع من استخدام الحيل والخدع والنفاق، للوصول إلى المبتغى، لأن قيمة الفعل تقاس بنتائجه، لا بمبادئه. لكن، من يدعي ممارسة السياسة بأخلاق ذات بعد إيماني، فإن الأخلاق والسياسة في الإسلام عنصران ممتزجان، فلا سياسة بدون أخلاق، وعندما تسقط الأخلاق تسقط السياسة، ويسقط السياسيون، على الأقل، في نظر الناس، وإن مكثوا في مناصبهم!