"تمخض الجبل فولد فأرًا" وفي المثل الدارج: " المندبة كبيرة والميت فار". هكذا للأسف هي الحقيقة المؤسفة لحال الاستحقاقات الانتخابية في المغرب والتي لا تستحق ضجيج الشعارات التي تصاحبها ولا ألكم الهائل من الأوراق التي يتم طبعا "لإنجاحها" كما يزعمون ، كما لا تستحق ما يقال عنها أو يكتب عليها أو يُصوّر لها. فهي مجرد كذبة أختير لها أقدس أيام الأسبوع لدى المسلمين، حيث كان الاجدر أن يكون فاتح أبريل أنسب الأيام لبهتانها.
العزوف الواسع من طرف المغاربة عن التصويت والاستجابة لتأثير الحملات الانتخابية مرده الى عدة أسباب منها:

-١- إن كل الأحزاب المغربية حتى ولو أسسها الشرفاء أو انبثقت فكرتها من أدمغة مستقلة، فإنه لا يسمح لها من طرف مهندسي الدولة العميقة بخوض تجربة الانتخابات حتى تقبل بقوانين لعبة النظام الذي بيده أهداب هذه الدولة العميقة والتي تستعمل حكومة الواجهة التي صنعتها بواسطة صناديق الاقتراع الصوري في شرعنة وتفعيل قراراتها المصيرية.

-٢- إن وجود دولة عميقة قوية يجعل كل الأموال التي يتم صرفها في الحملات الانتخابية وكل الجهد المبذول فيها ضرب من العبث، لأن الخريطة الانتخابية لما بعد فرز أصوات الصناديق شبه محسومة النتائج، ما يجعل كل الهرج والمرج الذي يصاحب تلك الحملات الانتخابية مجرد مسرحية لخلق الانطباع بوجود عملية ديمقراطية يفوض من خلالها المرشحون أمورهم لناخبيهم.

-٣- إن الأحزاب التي من المفروض أن تتنافس فيما بينها من أجل خدمة المواطن، أصبحت في المغرب تتوجس خوفا من بعضها البعض، أي أن صراع الأحزاب ليس صراع من أجل تحقيق المصلحة العامة بل هو صراع بيني غايته النيل من بعضها البعض. حيث حلّ أسلوب إضعاف الأحزاب المنافسة محل محاولة إقناع صوت المواطن بالانحياز للحزب مقابل تحقيق وعود نالها الحزب منه نظير صوته.

-٤- إن الاستحقاقات الانتخابية التي نعيش منذ يوم أمس على وقع حملاتها ليست سوى عبث يتكرر كل خمس سنوات، ولا يتغير بعدها شيء في واقع الوطن والمواطنين، بل إن الأمور تتجه دوما من سوء الى أسوء مهما علا سقف الوعود بتغييرها من طرف الأحزاب وزعمائها و مريديها. فالمواطن بات يعي مكر الخطاب الوردي الذي يليه واقع "زفت".

-٥- إن بقاء الأمور على حالها الفاسد تتقاسم فيه الأحزاب المسؤولية مع النظام الحاكم "الفعلي" لان هذا الاخير هو مهندس الوضعية والساهر على دوامها، بينما الأحزاب فهي تكرس تلك الوضعية ببحثها عن مرشحين تشترط فيهم قوة النفوذ والقدرة على الفوز، ولو أثخنت ماضيهم ملفات الفساد، لهذا لا ينتظر خيرا من احزاب تزكي الفساد وتعبد له الطريق لنيل كرسي المسؤولية، عِوَض تزكية الأجدر والأنظف.

مع كل ما سبق أصبح بديهيا أن يسيطر الفتور على العقلاء ممن يملكون حق التصويت، والذين تتسع قاعدتهم من استحقاقات الى أخرى، فيما بقي حماس الانتخابات محصورا على دائرة كل ناخب ومحيطه من عائلته وأقربائه وأصدقائه والمنتفعين من سخائه. وذوي النية الحسنة في وعود صاحبها الذي هو أدرى الناس بعسر تطبيقها.
(ملاحظة: آخر صيحات السلطة في الترغيب -أو الترهيب- لضمان تصويت قاعدة كبيرة من المواطنين هي التلويح باستحقاق أو حرمان قفة رمضان!!)

محمد برشي، كاتب مغربي مقيم بالولايات المتحدة الأمريكية.
ومؤلف كتاب المغترب