الفرق كبير جدا بين المعقول واللامعقول ، بين الجيد والتافه ، بين النفيس والمنعدم القيمة ، لا نفهم لماذا أن المغاربة يتهافتون نحو التفا هات وبرامج الإعلام المغربي التافهة ، ومن ورائها شركات ذات الأصول المالية الهامة ، تجدها تدعم هذه البرامج من أموال سائبة ، يكد عليها المغاربة أنفسهم ، ويزيدون في تقوية رسا ميلها ، إلا أنها تعود عليهم بالنقمة في تكريس الجهل والتخلف .
وإذا ما طلبنا من هذه الشركات دعم كتاب أو مشروع فكري لمفكر معربي ، ليصول ويجول في كل بيت مغربي ، لنشر الفكر والثقافة العالمة ، ومن ثمة يدب الوعي في شرايين وأوعية الكيان المغربي في السهل والجبل وفي الصحاري ، في القرى والمد اشر والمدن ، تجد هؤلاء المتخمين بالأيديولوجية الانتقامية من الجماهير المغربية في منأى عن كل دعم هادف وحضاري ، بل يكفيهم استغلال المغاربة وتفعيل آليات الضياع والهدر والتجهيل وإبقائهم على ما هم عليه من تخلف فكري وعقلي وعمى تصوري ،
المشاهد لكل برامج الإعلام المغربي ، يصاب بالدوار والغثيان ، لما يتأمل وصلات هذا الإعلام في كل مشاهده ، ويتساءل مع نفسه ألف سؤال ، حول إحداثيات إيجاد هذه البرامج وبثها على مسامع ومرأى المواطن المغربي ، إذ كلها تنحو منحى تكريس واقع الخنوع والخضوع ، وتبعده عن الوعي الحقيقي بإشكاليات الواقع المطروحة ، والشائكة في نفس الآن .
فطبيعي جدا أن نعيش هذا الإعلام بكل معطياته ذات الحمولة الأيديولوجية المخزنية ، الذي بمتح من توجهات " الدولة العميقة " كل شخوصه وبرامجه وأدوات اشتغاله، ألا يشكل حقل الإعلام مرتعا خصبا وواجهة جد نفيسة وهامة في تشكيل الرأي العام الوطني بكل أبعاده ومجالاته المتعددة ؟ ألا تعتبر سلطة الإعلام أقوى من كل السلط ، والسيف البتار في ترسيم وهندسة وتقطيع الكلمة والمعنى والرمز والدلالة ، لأجل هندسة الرأي العام وتحويره كيف ما تشاء السلط والجهات المتحكمة فيه ؟ أسئلة وأخرى تطرح بمرارة في وجه الإعلام المغربي وخاصة منه المسموع والمرئي ، في جانبه المرتبط بدواليب الدولة ، وبالأحرى النظامي الرسمي المغربي .
لم يعد المواطن المغربي بمقدوره وعي ما يبث في كل برامج الإعلام المسموع والمرئي بفعل حلقات التدجين التي حصلت على مراحل متتالية ، ولا زالت تصوراتها قائمة في القيمين عليها، إذ تجده يصفق لكل برنامج أو عند مشاهدة مسلسل أو فيلم أو وصلة إشهارية ، ناس ما يحاك ضده من تخريجات ومقالب، بل غير واع بها ، لتركه أمام إعلام تهريجي ، إعلام يفتقد إلى الضوابط الإعلامية العلمية والهادفة ، إعلام منحاز للجهة الغالبة المتحكمة والمسيطرة على مصادر المعلومة، إعلام يسخر كل الإمكانيات البشرية والمادية والتقنية لطمأنة الجماهير وتعميتها بمشاهد لا علاقة لها بالحقيقة الممكنة، والتأثير على رؤيتها للأشياء ولكل عوالم فضاءاتها الخاصة والعامة، حتى أصيبت كل الجماهير المغربية بالعمى الذهني ، وسيدت معه الرؤية الضبابية اتجاه كل شيء في هذا الوطن .
لذا ، إذا ما أصبح المواطن المغربي يسبح في فضاءات واسعة من الضبابية ، وعدم وضوح الرؤية اتجاه كل عوالمه ، وإذا ما افتقد البوصلة لتوجيهه نحو وجهات محددة بعينها ماذا ننتظر منه ، وهو الذي لم يعد قادرا على التمييز بين الجميل والقبيح ، بين الصدق والكذب ، بين آيات المروءة وآيات النفاق ، بين أخلاق الالتزام والمسؤولية والاستقامة وسلوكيات الانحلال والتفسخ والدناءة والخسة والحقارة واللاإلتزام والتنصل من مكارم الأخلاق ومحاسن الأفعال، وغير ذاك . إذن ، فالمهمة العظمى الموكولة للإعلام المغربي لها نصيب وفير في تكريس واقع الضبابية والجهل بحقائق الأشياء، وعدم تفعيل آليات المعرفة اليقينية والرؤية الواضحة أمامه و استلابه بمشاهد مخزية ، ليعود كائنا بلا روح ولا عقل ولا وعي ولا كائنا إنسانيا محضا .
وفي الأخير نطرح سؤالا جوهريا على كل المغاربة ، وعلى مفهوم المواطنة بالمغرب، أين نحن من الإعلام المواطن في علاقته بالمواطنة الحقة والفعلية ، إذا ما كان الحق في المعلومة حقا وطنيا فعليا وليس تهريجا وبهرجة وتغليطا وديماغوجية ؟ .

 
بقلم / عبد المجيد بن شاوية