درأ التعارض بين الثنائيات المتخاصمة في وعينا:

هناك من هو مغرم بإشاعة وهم التعارض بين الشريعة والإعلانات الدولية للحقوق والحريات!!! حتى يتصور البعض.. وكأن بينهما برزخان لا يبغيان! وتبريره الفلسفي لهذا التعارض : أن الشريعة رؤية كونية متمركزة حول الإله، وأن فلسفة الحقوق والحريات الحديثة رؤية كونية متمركزة حول الإنسان.. النتيجة حسب هذا المنطق الصوري فرض خياران على الإنسان: خيار أول: أن يكون الإنسان حرا، وليس مؤمنا . خيار ثاني: أن يكون الإنسان مؤمنا، وليس حرا. مع إقصاء الخيار الثالث الوسطي: أن يكون الإنسان حرا ومؤمنا، ديمقراطيا ومتقيا، يجمع بين الأخلاق الدينية والمدنية.

ولو امتلك هؤلاء فقها وسطيا لتوصلوا إلى أن فلسفة الديمقراطية وحقوق الإنسان والحريات العامة والمقاصد الإسلامية، بينهما مساحة واسعة من الإشتراك والتوافق.. فالقيم الإنسانية المشتركة كانت أولا مفطورة ومركوزة في الإنسان، من خلال الجبلة والخلق في أحسن تكوين، والطبع والعهد والميثاق، ثم جاءت الأديان ثانيا لتذكر وتبلغ وتوائم بين الخلق والأمر، والفطرة والتشريع، والطبع والتدين.. وما حصل بعد ذلك من تناقض وتعارض بين هذين الأصلين العظيمين، إلا بفعل عوامل الانحراف والغلو والفسق والشبه والجهل المقدس. أما من تنكب هذه الحقيقة الكونية، فقد جحد القيم الإنسانية المشتركة والجامعة، واغتال صوت الضمير المنبعث من داخل أعماق الإنسان، واعتقد أن الأديان هي أولا وأخيرا من دشن التأسيس للقيم من خارج الإنسان، وكأن الإنسان خلق كائنا شيطانيا، ثم جاءت الأديان لتؤنسنه، وتغير طبعه وتكوينه!.. في حين أن الحقيقة التي تقارع هذا الجهل المركب أن القيم مركوزة في خلق وتكوين وفطرة الإنسان، ثم جاءت الأنبياء والرسل لترشد إليها، فالحق لا يضاد الحق، والشريعة لا تناقض الضمير الحي، والاعتقاد الصحيح لا يجافي القيم الإنسانية المشتركة.

التيار السلفي: تحويل التاريخ إلى وحي

هذا التيار مغرم بتقديس التاريخ، وإطفاء صبغة المطلق عليه، بتحويل النسبي إلى مطلق عكس عقارب التاريخ، المتجه نحو تحويل المطلق الديني إلى نسبي إنساني ومجتمعي، انطلاقا من حقيقة مطلقية الدين ونسبية التدين! واعتبارا لهذا المنحى الماضوي، فإنه يعتبر كل جديد هو بدعة ودخيل، ف"نهاية التاريخ" عنده رست مراكبها عند "القرون الأولى الفاضلة"، وبالتحديد مع نهاية ما يعرف ب"عصر التدوين" وبعد ذلك فكل الزمن الذي تسيل مياهه تحت جسر التاريخ والحضارة هو تلاشي واختلاق وانحراف، فكل دعوة بتدشين عهد تدوين جديد، يجدد للأمة نهضتها، ويخلصها من كل القيود التاريخية التي تعرقل مسيرتها نحو التقدم والازدهار، يعتبر دعاتها من الفرق الضالة!.. ولذلك فلا مناص أن اعتبر شيوخ هذا التيار المتنفذون أن الديمقراطية والحريات العامة دخيلة على مجتمعاتنا، وينبغي محاربتها، لأنها: أولا؛ تتناقض مع مفهوم الحاكمية الإلهية، هكذا زعموا، وكأن حاكمية الله في الخلق تتعارض مع خلافة الإنسان في الأمر والنهي، وأن الإنسان كما هو مجبور في خلقه، ينبغي ان يكون مجبورا في أمره، وهذا ادعاء فاسد، لأن الإنسان وإن كان مجبورا في خلقه فهو مختار في أمره، وهذا هو أصل التكليف. وثانيا؛ أن الديمقراطية والحريات العامة، لصيقة ب"العلمانية الشاملة"، لا تتجزأ عنها ولا تنفك، وهذا ادعاء بلا بينة، ودعوى بلا حجة، فالديمقراطية جوهرها ترسيخ اختيار الإنسان وإرادته الحرة، في حين أن "العلمانية الشاملة" هي تجريد الإنسان عن القيمة، وتحويله إلى أداة مستلبة ومشيئة، وبينهما ما بينهما من التباين والتغاير، فالأولى أداة محايدة، والثانية ايديولوجيا منحازة.. وللتذكير فالعلمانية هكذا بدون تخصيص، مصطلح فيه إجمال وإشتراك، وأكثر اختلاف الناس من جهة إشتراك الأسماء، فتجد الإختلاف حول إثبات لفظ ونفيه، فالمثبتون يعيبون على النفاة ما نفوه، والنفاة يعيبون على المثبتون ما أثبتوه!.. لذا فالكلام بعلم وعدل في الألفاظ المجملة بالنفي والإثبات دون تفصيل يوقع في الجهل المركب، كما يحدد الأصوليون. ولقد أجاد الدكتور عبداللوهاب المسيري في تمييزه بين علمانية شاملة وأخرى جزئية، فإذا كانت الأولى مرفوضة لأنها تفصل الإنسان عن كل القيم الإنسانية والأخلاقية، وتستهدف نزع القداسة عن العالم، وتحول الإنسان إلى مادة استخدامية تحكمها موازين القوى المتوحشة، إلا أن الثانية -العلمانية الجزئية- ليست ترفض بإطلاق ولا تقبل بإطلاق، فتمثة فصلا حتميا ونسبيا للسياسة عن الدين في مفهوم "الدولة المدنية ذات المرجعية الإسلامية" وإلا تحولت إلى كهنوت واكليروس ترسخ مفهوم الدولة الدينية، ولذلك ميز الفقهاء بين تصرفات النبي صلى الله عليه وسلم بالرسالة وتصرفاته بالإمامة.

وثالثا؛ اعتبر دعاة هذا التيار أن الدعوة إلى الحرية والديمقراطية تنطوي على نزوع إباحي شاذ، وهذا تلبيس مرده الجهل المركب والبغي المقيت، فالحرية أشواق إنسانية ونزوع نحو الإنعتاق، والديمقراطية أداة وآليات تحقق ذلك، والشذوذ والإباحية ليستا تمرة للإختيار الديمقراطي، ولكن انعكاس لطبيعة القناعات الايديولوجية المختلفة، فإذا أمكن تشريع الشذوذ في السويد مثلا بواسطة الآليات الديمقراطية، فإن تمرة الديمقراطية مختلفة في عالمنا الإسلامي، فهي كفيلة ببعث "المارد الإسلامي" و"إخراجه من قمقمه" كما يذهب الخبراء الاستراتيجيون الأجانب. لذلك يصنف هذا التيار في المحصلة ضمن النزعة العدمية التي ترجح الشريعة بقيودها التاريخية، وتهذر الحرية بكل قيمها الإنسانية!.

• وردا على دعاة هذا التيار يقول الشيخ راشد الغنوشي في كتابه "الحريات العامة في الإسلام":«كم هو عجيب أمر طائفة من المؤمنين ضحايا الاستبداد، بدل توجيه سهامهم الى عدوهم جعلوا من تسفيه الديمقراطية وتوجيه السهام اليها وتأكيد تناقضها مع الاسلام .. ذاهلين من جهة المبدأ عن مساحة الاشتراك بين قيم الاسلام ومقاصده.. وذاهلين من جهة المصلحة عن حاجة الامة المتأكدة للحرية وللشورى وللآليات التي تنقلهما من المستوى النظري الى المستوى العملي، مما يعد أعظم انجازات الديمقراطية وأبرز جوانب القصور في تجربتنا التاريخية».

• ويضيف:"لقد بدا لي واضحا أن الديموقراطية مثلا ليست مفهوماً بسيطاً، كما يظن، وأنها ولئن قدمت مفاهيم للحرية وأجهزة لتجسيدها .. يمكن وصفها في الجملة بأنها"لا بأس بها" أو هي أقل الموجود سوء، فهي أبعد ما تكون عن الكمال والخير المطلق، إنها لا تعدو كونها ممكناً من الممكنات».

التيار العلماني: تحويل الوحي إلى تاريخا - يمثل نزعة ارستقراطية استعلائية، يعتبر الديمقراطية نبتة غربية، لا يمكن توطينها إلا بتجريف كامل لقيمنا، واقصاء متعسف لمرجعيتنا وهويتنا! - الاعتقاد باستحالة التوفيق بين الإسلام والديمقراطية. - الشذوذ في تأويل موضوعات الحريات العامة. - يعتبر الديمقراطية لصيقة بالعلمانية. - لا يرى في الديمقراطية سوى أداة لهيمنة الأصوليات الإسلامية. يمثل في المحصلة نزعة عدمية مضادة، ترجح الحرية وتهذر الشريعة!

• وفي هذا الصدد يقول الشيخ راشد الغنوشي في نفس الكتاب:«لقد ظهرت أبعاد مشروع التحديث(التغريب) سافرة في تفكيك المجتمع من أجل السيطرة عليه وظهر عجزه فاضحا .. فلم يجد سبيلا لمواجهة سخط الناس واتجاههم الجارف عودا إلى الإسلام، غير كفاءة الخيار الأمني".. ويضيف:«لقد جاءتنا العلمانية على ظهر دبابة، وبقيت تحت حمايتها»
الخيار الثالث:( الإسلاميون الديمقراطيون الوسطيون ) يرى هذا الخيار الوسطي: - أن الديمقراطية والحقوق والحريات العامة ليست وجبات جاهزة ، نتلقاها من الغرب! - وإنها عملية إبداعية متطورة. - وليست طرحا ايديولوجيا مرتبطا بالعلمانية. - وأنها نتاج لتراكم معرفي، وتلاقح حضاري، شاركت في إنتاجها كل الثقافات والحضارات، وكان للأديان السماوية مضمار السبق في ذلك. ويمثل في المحصلة نزعة وسطية تروم الموائمة بين صريح الشريعة وصحيح الحريات والحقوق.

فالخروج من النفق المظلم، يتم بالخروج من كلا الغلوين السلفي والعلماني، اللذان أوصلا أمتنا إلى حافة الهاوية، إلى رحابة الخيار الوسطي الديمقراطي، لنعيش في قلب العالم والحضارة والنهضة، ليكون الدين في وعينا انعتاقا، وليس قيدا، فالقيود في كل الرسلات والأديان الحقة، لا تمثل إلا هامشا، يحرر الإنسان من هواه، ليكون عبدا لمولاه، حتى يكون اقرب للحق والعدل، وأبعد عن الضلال والبغي.