نبيل بكاني

أثارت حادثة تعنيف رئيس الوزراء التركي رجب أردوغان، لمتظاهر أمام الملأ جدلا واسعا، بعدما تقاسمت العديد من المواقع الالكترونية و القنوات الفضائية بث الفيديو الذي يصور الحادثة. و تأتي الحادثة أياما قليلة على واقعة مشابهة بطلها مستشار رئيس الوزراء، الذي انهال هو الآخر على متظاهر سلمي أمام العموم. البعض أعطى تفسيرا للمشهد اعتمادا على المقولة المقصوصة (الآية) "ويل للمصلين.."، أي أن الفيديو لم ينقل الواقعة كاملة. افتراضا، يمكن لحركة أردوغان تلك، أن تكون حالة طبيعية من حالات الدفاع عن النفس، أمام تهجم محتمل، من طرف متظاهر عنيف. ممكن.. لكن، في أدبيات الحكم، أو ما يصطلح عليه بواجب التحفظ لدى المسؤولين الحكوميين، فان مثل هذا السلوك تطبق عليه ضوابط صارمة . فمثلا، لو حدث تصرف مماثل من طرف مسؤول منتخب وفقا لبرنامج انتخابي، على رأس قائمته، تعهد المرشح باحترام الديمقراطية و علمانية البلد- جدلا نحن نتكلم كمثال عن بلد ما ديمقراطي علماني- و ان افترضنا أنه حدث في هذا البلد الديمقراطي، أيا كان هذا البلد، المهم بلد الديمقراطية فيه ممأسسة، ما المصير الذي كان سينتظر هذا المسؤول الأول في الحكومة؟ بل و ما مصير حكومته ككل؟ السؤال لا يحتاج إلى إجابة، و كما يقول اللغويون "شرح الواضحات من المفضحات".

ببساطة، هل كان الموقف يستدعي من رئيس الوزراء التركي بذل كل ذلك المجهود العضلي و استعراضه كامل قواه الجسدية على متظاهر محاط بعشرات من عناصر الموكب الحكومي، أم أن وراء استعراض تلك الحركة رسالة خاصة إلى أراد إرسالها صوب من يهمهم الأمر؛ عسى أن يدركوا جيدا أن الرجل الهادئ و المخاطب البارع، قادر على أن يتحول إلى أسد هائج إذا ما فكر أحدهم في الاقتراب من المربع المحرم الذي خطه هو. يطالعنا التاريخ عبر قصصه المثيرة و الممتعة عن طواغيت مروا في هذه الدنيا، و كيف كانوا يحرصون على "تأديب" خصومهم بأيديهم. كانت تلك فرصتهم لتفريغ غضبهم من داخل صدورهم الضيقة، و كانوا يرون فيها أنجع طريقة ممكنة، لزرع الرعب في قلوب الخصوم و تحويل صورة الحاكم إلى أسطورة مخيفة في مخيال الشعب بعد الخصوم.

لحسن حظ السيد أردوغان، فتركيا و إن كانت متقدمة جدا في مجال الديمقراطية، مقارنة ببلداننا العربية، فهي ماتزال بعيدة عن الديمقراطية الأوربية؛ أو تلك الديمقراطية الممأسسة. لن أنكر هنا، فضل السيد أردوغان، الذي تعلمنا منه الشيء الكثير. تعلمنا منه كيف لا ننخدع في بهرج ديمقراطية البرامج الحزبية، و ديمقراطية المخططات الرأسمالية؛ ديمقراطية رسمت أبعادها البرجوازية المتعفنة و الرأسمالية المتوحشة، ديمقراطية خطوطها العريضة، ضمان السلم الاجتماعي، عبر زيادات في رواتب عمال و موظفي الرأسمالية و الباطرونا التي أحاطها السيد أردوغان به، منذ قدومه إلى السلطة، و التي تمكنت في ظرف وجيز من خلق حركة تنموية و امتصاص العطالة، في مقابل ذلك، تمتعت بالاستفادة من جملة من الامتيازات الضريبية و التشريعية، ما ضمن لها استغلال الثروات المنجمية و السطحية و البحرية و غيرها...

الديمقراطية الحقيقية لا تأتي عبر شراء السلم الاجتماعي، أو عن طريق استقطاب القيادات النقابية لطاولات الحوار، و التفاوض على حقوق العاملين. أيضا، الديمقراطية لا تأتي من خلال برامج إصلاحية أو وصفات جاهزة يحملها الحزب إلى دواليب السلطة.

الديمقراطية الحقيقية لا تأتى إلا نتيجة كفاح طويل و مرير بين الطبقات الاجتماعية المسحوقة و الاستبداد، و الصراع الأيديولوجي بين النخبة التقدمية الحداثية و السلطوية و الفكر الرأسمالي و الإقطاعي. فمثلا إعلان حقوق الإنسان و المواطن الذي أصدرته الجمعية التأسيسية الفرنسية سنة 1789 بعد الثورة الفرنسية و قبل سقوط الملكية، ما كان ليعطي ثماره لولا كل تلك الإخفاقات و النكبات و الثورات المضادة، و قيام جمهوريات متتالية بين ملكية ساقطة و أخرى صاعدة، فتحولت تلك الإخفاقات و الانزلاقات إلى تجارب و خبرات استفاد منها الشعب الفرنسي بتحويلها إلى قوانين و تشريعات، لبناء آخر جمهورياته، و هي الجمهورية الديمقراطية الفرنسية الخامسة.

الإسلاميون و المحافظون في عالمنا العربي، لا يجدون أدنى صعوبة في ابتكار الأعذار لأخطاء أردوغان المتتالية، فهم بذلك يقنعون ذواتهم على أنهم تقاسموا زاد الأيديولوجية مع زعيمهم الروحي، و إلا فإن الإحساس بالخذلان و الخيانة لهذه الأيديولوجية سيلاحقهم مثل العار. فإذا أقدم أردوغان مثلا، على قمع المتظاهرين السلميين، كما حدث في ساحة تقسيم، فله مبرره، و إذا قاد انقلابه على القضاء و الشرطة ردا على الجرأة الزائدة للقضاء العلماني الذي بلغ به الأمر إلى حد محاكمة بعض من المقربين منه بتهم ملوثة لا تسعها الهالة الدينية المحاطة بالحزب، و فصل المئات من القضاة و الضباط في عز أطوار المحاكمة و دون حد أدنى لاحترام المحاكمة، فان صياغة مبرر عريض من ابسط ما يمكن عمله، كالقول بان اردوغان قاد ثورة على فلول فتح الله غولن المتربص به. عندما اقتضت حكمة الرجل باتخاذ قرار انفرادي، دون الاحتكام إلى القضاء، بغلق جميع الصفحات المتواجدة على تويتر و إطفاء جميع الفيديوهات المتواجدة على يوتيوب، و قتل حرية التعبير، و لو لفترة معينة، قبل أن يقرر إعادتها إلى الحياة، بسبب نشر مقطع تسجيل قيل أنه يتضمن تخابرا بينه و بين نجله، حول أموال غير مشروعة، فإن حكمة الرجل، عندما رأت في قتل حرية التعبير بحجبها للموقعين المذكورين في تركيا؛ فإنها لم تفعل ذلك إرضاء لغريزة القتل (قتل الحريات) عند الرجل، و إنما لأن في قتلها تتحقق رؤية الرجل، الذي يرى في قتلها ما لا تراه عامة الشعب، و هكذا، في نظر الإسلاميين و المحافظين، وجب الإذعان و القبول بحكمة ولي الأمر.

و في محور الكلام عن المحافظين، و في تغريدة للمحلل السياسي و الكاتب المعروف، ياسر الزعاترة على تويتر، بتاريخ 15 مايو 2014، يقول معلقا على كارثة منجم سوما: "خصوم أردوغان يستغلون كارثة المنجم للتشويش عليه. يريدون جنازة ليشبعوا فيها لطما. ما جرى كارثة إنسانية تستدعي التحقيق، و لكن التكاثف أيضا". هذا كان رأيا شخصيا للكاتب، و هذا حقه بدون جدال، و طبقا لحرية الاختلاف. لكن عندما يتناقض هذا الكاتب في مواقفه حول مواضيع إنسانية صرفة، بسبب حساسية سياسية، تصبح مواقف الكاتب هنا مثيرة للجدل، فمثلا في تغريدة سابقة بتاريخ 4 مايو 2013، و حول موضوع الفيضانات التي خلفت أحداثا مأساوية في السعودية العام الماضي، يقول ياسر الزعاترة معلقا: "ضحايا الأمطار في السعودية بحسب إحصاء رسمي 24 شخصا و أربعة مفقودين. أمطار يأتي مثلها مرارا في دول غربية دون ضحايا. يستحق الأمر وقفة مراجعة".

حقا، هناك الكثير من الأمور التي تستحق المراجعة..