مصطفى المانوزي

من عادتي أن أحرر، على صفحتي الفيسبوكية ، كلاما كل جمعة آسميه حديث الجمعة ، غير أن الحديث حديث عهد بكامله بل حديث عقود مترابطة ، لحمتها تكرار الإنتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان ، فالتعذيب النفسي وتفاقم الأضرار الجسمانية والمعنوية ترخي بظلالها كلما حاول الحقوقيون رصد وتقييم مؤشرات مدى عودة ما يسمى بالعهد الجديد لأساليب الماضي، موضوع اليوم ، هو موضوع تاريخي ، في لحظات لا تنتهي ، تجتر ماضي لا يريد أن يمضي ، واليوم حضر نائب رئيس العالم ذي القطبية الفريدة ، وليس فقط رئيس الولايات المتحدة الأمريكية جاء للمغرب ، عشية المنتدى العالمي لحقوق الإنسان ، وبعد أيام قليلة من خطاب الملك ، لكي يدشن مقر السفارة الجديد ، الكائن بالمحاذاة مع المعتقل السري ب ف ٣ ، والذي سبق أن تقدمنا بشكاية لفتح تحقيق في الموضوع من قبل وزير العدل ، دون جدوى ، ويومه الخميس بادر مرة أخرى ، عميد الصحفيين ، مصطفى العلوي ، والذي كان نزيلا بدار المقري على بعد كلمترات قليلة من المعتقل السيء الذكر ، ليعيد قصة وملابسات بناء مقر السفارة الجديدة التي وضع حجرها الأساسي كل من سعد الدين العثماني وفتح الله ولعلو وهيرالي كلنتون ، ولأنه طرح سؤالا وجيها ، في جريدته « الأسبوع الصحافي » ، في سياق العبارة التالية « رئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف مصطفى المنوزي الذي كان قد طالب بأيقاف بناء المقر الجديد للسفارة الأمريكية بالرباذ ، لم يعد لإثارة الموضوع ،،، لماذا ؟ »

أولا، أشكره على مقالته « الحقيقة الضائعة » ، رغم أن مطلب الحقيقة شأن مجتمعي ووطني ، ولا يهم فقط عائلة الحسين المنوزي وانما يهم الحركة الإتحادية والديمقراطية واليسار والوطن بكامله ، فمنذ البداية نسلم بأن الدولة ومعها الحكومة الحالية عندما توافقتا على إصدار قانون حصانة العسكريين ، وهو أول قانون في عهد الدستور الجديد ، حيث يحمل رقم 12/01 ، بمثابة صك غفران للجلادين المفترضين ويشرعن للإفلات من العقاب، تمهيدا لتقنين الصلاحيات بين الملك ورئيس الحكومة ، هذا في الوقت الذي ينظر قاضي التحقيق لدى محكمة الإستئناف بالرباط في الشكايتين المتعلقتين بمصير الحسين المنوزي و محمد اعبابو، مما حدا بمحام المنوزي واعبابو إلى تقديم شكاية ضد رئيس الحكومة الذي خالف مقتضيات الفصل 266 من القانون الجنائي التي تمنع وتعاقب على وسيلة من شأنها التأثير على القضاة وهم ينظرون في قضية ذات علاقة ، وكان رئيس المنتدى المغربي للحقيقة والإنصاف ، قد بادر على التوالي ، بتقديم طلب الإستماع الى شاهدين رئيسيين في القضية ، هما حسني بنسليمان وحميدو العنيكري ، باعتبار الأول مسؤولا وطنيا عن الدرك الملكي المالك لأكبر خزانة للأرشيف المغربي ، والثاني مسؤولا عن منطقة الرباط /سلا / زعير ، ورفض طلبه ، وعندما بادر الأمين العام للحكومة بنشر القانون في الجريدة الرسمية، قدم طلب استدعائه لتأكيد أو نفي الشهادة الشرعية التي سلمها هو شخصيا، أيام كان رئيسا للمجلس الإستشاري لحقوق الإنسان ، لعائلتي عبابو والمنوزي ، تفيد وفاتهما بالرصاص في الرأس ، لكن قاضي التحقيق ، استجاب لضغوطات المعنيين فقضى برفض طلب إستدعاء الشهود بعلة عدم اتباث العلاقة بين الوقائع والأشخاص ، وهو تعليل بليد كاد أن يدفع بذوي الحقوق إلى توجيه الإتهام إلى المطلوبين في الشهادة ، وهو أمر لن يستقيم في ظل قضاء هش وغير مستقل ، خاصة وأنه يتم تعييت القضاة الفاسدين في مثل هذه القضايا ، بل إن القاضي الذي لم يحقق « حتى زفتة » وقع على قرار بعدم المتابعة ضد مجهول ، كما أنه بمناسبة المقال الذي نشر في الأسبوع الصحفي حول وضع الحجر الأساسي ، رفع محامي العائلتين شكاية إلى وزير العدل من أجل فتح تحقيق في الموضوع ، دون جدوى ، بل إن الوزير ، إبراء لذمته ، اتصل بريس المنتدى / دفاع ذوي الحقوق ، معتذرا بكون الملف مفتوح أمام قاضي التحقيق ولا يمكن فتح تحقيق على تحقيق احتراما لإستقلال القضاء ، واليوم والأسبوع الصحافي تعيد إثارة الموضوع ، فلا يسعنا سوى مطالبة وزير العدل والحريات وكذا المصالح ذات الصلة ، للتحري والتحقيق ، في جميع الوقائع التي جاءت في « الحقيقة الضائعة » ، وهنا أجيب على سؤال عميد الصحافيين ، لماذا ؟ لم نعد نثر قضية السفارة ؟ ، لنقول بأن قضية بناء السفارة موضوع يتجاوز قضاءنا البئيس الذي لا يقوى على إنصاف أطفال في قضية نفقة والأحرى أن يقحم نفسه في ملف سيادي وجيوستراتيجي بامتياز يرهن مصير الأعداء والحلفاء وبالأحرى مصير مختطفين سياسيين مصنفين كأعداء استراتيجيين للعم سام ، وبالتالي نراهن على الضمائر الحية والسلطة القضائية المستقلة التي لم تر النور بعد ، على الأقل بالتحفظ على الأرض التي سيطل عليها السفير الأمريكي ، تفاديا لأي تبديد لمعالم الجرائم المشار إليها في « الحقيقة الضائعة» ، إننا نقدر بأن تلك « لماذا » لا تعني سوى أنه على الجميع أن يتحرك للحيلولة دون تنفيذ الغرض الحقيقي من تشييد عمارات السفارة ، التي لا تقتصر فقط على الخدمات الدبلوماسية وإنما تتجاوزها إلى خدمات تنسجم مع مآرب عصا موسى نبي التوراة ، شأنها كشأن المقال المتعدد الرسائل ، للأسف لا يسع الضمير للوكالة فيها عن ساعي البريد ، ولا حتى عن المجتمع الراكد ضميره كالبحر الميت ، بلا عزاء ولا حتى حداد ولا حدود.