بديل ـ صلاح الدين عابر

منذ بِدَايَة سنوات الألفين " 2000 " برزت ظاهرة الأِلْتْرَاسْ في المغرب كنمط لتشجيع و مساندة فُرق كرة القدم، الألتراس في اعتقاد '' الفِيـِرَاجِيسْت '' ( المشجعون ) ليست مجرد حركة تشجيع وإنما هي نمط حياة و مبادئ، على كل فرد منهم أن يوفي بها إلى آخر يوم في حياته، أعطت هذه الحركة أكلها على مستوى الكرة الوطنية وخلقت صيرورة تشجيع مختلفة، بل وحضارية وفنية وأبهرت العديد من المتتبعين للشأن، بعدما اتهمتهم المنابر الصحافية بالتعصب و إثارة الشغب .
كان من الضروري أن يتفاعل كل مُتتبع للكرة الوطنية مع هذه الظاهرة، وأكثر من ذلك عملت مجموعات الألتراس في المغرب على تطوير نفسها وانتشرت كما تنتشر النار في الهشيم وحصدت أكبر عدد من المتابعين و مساندين و داعمين لها.
وتستمد الألتراس المغربية مبادئها وفقاً لما آلت إليه هذه المجموعات في الدول الغربية كحضارة تشجيع ومقاومة في الوقت نفسه.

" الألتراس " من الرياضة إلى " الـثورة " ! 

لعبت الألتراس التي تعني " المُتطرفون " و فردها " الألترا " المتطرف " وهو ما يُقصد به "متطرفاً "على عادات باقي الناس و خاصة باقي المشجعين، دوراً مهما في الثورات الشعبية التي شهدتها المنطقة، وكانت لأول مرة هذه المجموعات تُؤدي عملاً ميدانيا و سياسياً محضا، جعل الكثيرين يستحضرون قوة هذه المجموعات التي اعتقد أكثر البعض أن دورها ينحصر فقط داخل أسوار الملاعب.

في مصر، كانت مجموعات الألتراس وقود ثورة 25 يناير، التي واجه شبابها بصدور عارية رشاشات الرصاص في الصفوف الأمامية و تبنت عددَا من المعتقلين، و في تونس نزلت المجموعات دعماً لثورة بأهازيج و أعلام، ونظراً للكم الهائل من الشباب و قدرتهم البدنية على الاعتصام و التجمهر و الخفة شكلوا حلقية صُلبة يُصعب اختراقها و وقفوا ضد نظام بن علي.


الألتراس هي كتلك اللوحات الفسيفسائية " الموزاييك" فقطع صغيرة من الرخام و الزجاج الملون لا يتعدى حجم أكبرها عقلة أصبع توضع بجانب بعضها البعض بتناسق محسوب لتصنع لوحة بديعة في جمال تكوينها و تصنع اثر بالغ في نفس الرائي، هكذا يكون تكوين الألتراس بين أعضائها و ما يُسمى بـ" الفيراجيست " ( المشجعون ) و كذلك هكذا تصنع تلك اللوحات الجميلة في الملاعب.
تعصباً حادّ وانتماء قويا للمدينة و الفريق، يجعل من المشجعين يعطون كل ما في وسعهم لكي يكونوا الأجمل و الأقوى و الأروع في الملعب ضد الخصم، لقد بات هذا عادةً لدى المشجعين حتى أصبحوا من تلقاء أنفسهم منظمين أكثر من أي تنظيم سياسي أو حزب سياسي، يمكنهم التجمع بالآلاف بمجرد أن تُعلن صفحاتهم على مواقع التواصل الاجتماعي " نـداء ".
نظراً للكم الهائل من الشباب الذين يلجأون كثيراً لمواقع التواصل الاجتماعي للتواصل مع بعضهم و البحث في المستجدات.

أين الألتراس من هذا في " الـمغرب "؟

قد تكون صيرورة تونس ومصر، حركت الكثير في وسط المجموعات المغربية، والتي لطالما تستمد أهازيجها و نمطها من إخوتها في تونس و مصر.
أثرت مجموعات ألتراس المنطقة، في المجموعات المغربية، ويبدو ذلك عبر عدد من أهازيج المجموعات التي بدأت تتحدث عن السياسة و المجتمع و الفساد و التسلط السياسي و السلطوي.

في حديث أحد أعضاء ألتراس " قراصنة الحمر – سلا " لموقع " بديل " رفض الكشف عن أسمه، قال إنه في المغرب يوجد نوعين من ظاهرة " الألتراس " الأول يُسمى بـ" كوميرسيال " حيث يعمل جاهداً على جمع أكبر عدد من الداعمين و الأعضاء لتكوين قاعدة جماهيرية، وهدفه بيع أكبر عدد من المنتوجات لكي يحصل على أرباح كثيرة في إطار خلقه للاحتفالية في المدرجات تنال رضا " الـمكتب المسير للفريق " و لا تُزعج " السلطة " لكي يُحافظ على علاقاته، و يضيف نفس المتحدث، ثم النوع الثاني يُسمى بـ" الأنرڭاوند ڭروپ " و هو ما يعني " مجموعة تحت الأرض " تشتغل بعيداً عن الأضواء هدفها التشجيع اللا مشروط للفريق و صناعة أعضاء فائقين للعادة كما تعكس كلمة "أولترا" و هدفهم أيضا صناعة مشجع حر يشجع بكرامة و حرية و يحارب على مكانة ناديه و مدينته و يُحارب أجهزة الفساد أينما حلت و ارتحلت داخل الفريق أو المدينة، وهما ما وصفهم المتحدث بـالقلة القليلة التي توجد في المغرب.

في أيام الحراك الشعبي بالمغرب وتزامناً مع انتفاضات المنطقة، كانت إحدى المجموعات قررت الدخول في غمار السياسة و تبني موقفاً سياسياً حاسماً من المؤسسات السياسية في البلاد و اختارت الدفاع عن مُعتقلي الرأي و بينهم الصحافي " رشيد نيني " و نشطاء حركة " 20 فبراير " " الألتراس عسكري " الفصيل المساند لفريق الجيش الملكي، ونزل عدد من أعضائه في مظاهرات حركة 20 فبراير، و تعرضوا مراراً للقمع و الاضطهاد في الملعب كضريبة على موقفهم، و هما المجموعة التي شنت عليها عدد من وسائل الإعلام " المُسخرة " حمالات تتهمها بالشغب، و اعتقلت السلطات منهم أعداد كبيرة فاقت الـ50 فرداً، حسب أحد المشجعين لفريق الجيش الملكي في معرض حديثه لموقع " بديل ".

الألتراس أداة تنشد الحرية قبل كل شيء يقول " زكرياء ـ  س"  أحد مشجعين فريق " أولمبيك آسفي "، لذلك تتفانى المجموعات في أغلب أهازيجها التي لا تخلوا من الحديث عن الحرية كرؤية تعبيرية عن ما ترنوا إليه أنفسهم،وأخرى ذات أهازيج سياسية مؤيدة للوضع القائم.

هذه أهازيج تقض مضاجع " السلطات "

عبرت إحدى المجموعات في المغرب تدعى '' حلالة بويز '' ( أبناء الحلالة ) المساندة لفريق النادي القنيطري بصوت ألتفت إليه العديد في المغرب بكلمات قوية جاء في بعضه : '' فـي تعليم إكلخونا،بزرواطة إفكرونا،وعلى حقوقنا إمنعونا ويقمعونا..'' وأخرى '' للوينرز '' ( الفائزون ) لنادي الوداد البيضاوي : '' بصوت الشعب لي مقموع جاي نغني جاي نقول... ''

وفي المقابل هناك أهازيج تميل لسياسة بمنطق التـأييد الحاكم و الضرب فيما تحت منه كما جاء على حناجر " الإكلس " النسور " لرجاء البيضاوي " ملكنا واحد..محمـد السادس،و الباقي شفارة علينا حكارة.. "

السياق العالمي للألتراس يؤكد على أن الظاهرة نمط مناهضة ذو نموذج في الكثير من البلدان، مناهضاَ للرأسمالية الرياضية و الهيمنة السلطوية وجعل قطاع الرياضة حكرا على الرأسماليين وأصحاب الأرباح وضرب مجانيته وجعله مجالا للربح وهذا ما تُسميه الإلتراس بـ'' ضد الكرة الحديثة ''.

ومن جانبها قالت الدكتورة أمل حمادة مدرس العلوم السياسية في مصر، في تعليقها على ظاهرة الألتراس " لا‮ ‬يمكن فهم تطور حركة الألتراس دون فهم السياق السياسي المصاحب‮. ‬فعلى سبيل المثال،‮ ‬لا‮ ‬يمكن فهم تطور الألتراس في أوروبا دون فهم التطورات السياسية التي سادت فيها،‮ ‬بدءا من الستينيات،‮ ‬والتي ارتبطت بما أطلق عليه البعض موت السياسة،‮ ‬أو التطورات السياسية التي ارتبطت بانهيار الاتحاد السوفيتي في التسعينات،‮ ‬وهو ما عرف بموت الأيديولوجيا‮. ‬فهذه التطورات خلفت قطاعات عريضة من الشباب خارج الأطر التقليدية للمشاركة،‮ ‬كالأحزاب،‮ ‬والنقابات،‮ ‬ومنظمات المجتمع المدني،‮ ‬وذلك في الوقت نفسه الذي شهد تصاعد السياسات الرأسمالية وأزمات المجتمعات الحداثية‮" .‬

و تُضيف ذات الدكتورة "تتعلق السمة السادسة بأن السمة الغالبة لجماعات الألتراس هي أنها جماعات لا سياسية‮. ‬فمن ناحية،‮ ‬لا تتبني هذه الجماعات أيديولوجية حزبية معينة،‮ ‬أو تنتمي لأحزاب بعينها‮. ‬ومن ناحية أخري،‮ ‬تصور جماعات الألتراس كلا من أجهزة الأمن ووسائل الإعلام على أنهما العدو الأول لها‮. ‬فخبرة التفاعل مع أفراد الأمن حملت دائما ذكريات عنيفة ومحاولات من جانب الأمن للسيطرة على تحركات الألتراس وتجمعاتهم‮".