تواضعت المؤسسات الدولية السياسية والقانونية على تسمية "المؤسسات المنتخبة" الشكلية في العالم الثالث بـ "Rubber stamp". وتعني حرفيا "الخاتم المطاطي"، وعمليا "الموافقة التامة على سياسة السلطة بدون تفكير أو مناقشة"، لجهل أعضاء هذه "المؤسسات" وضعفهم أمام السلطة أو لرغبتهم في التقرب منها لتحقيق مصالحهم الخاصة... 

يدل وجود "مؤسسات الموافقون" على استفراد نخب السلطة بكل القرارات، وتحويلها لـ "المؤسسات" إلى هياكل جوفاء، ما سبَّبَ خراب هذه البلدان اقتصاديا، وأحبطها مجتمعيا، رغم أن ثرواتها الطبيعية والبشرية تؤهلها للنهوض.... لا حياة سياسية سليمة بدون مؤسسات منتخبة تفرزها عملية سياسية ديمقراطية تُحصِّنها من الانحراف الذي يُحوِّل الديمقراطية إلى كيان فارغ...
يحتاج المغرب اليوم إلى مؤسسات منتخبة توافقية تشارك فيها كل الاتجاهات المتبنية للاختيار الديمقراطي بمفهومه الكوني، فلا تنحاز لاتجاه دون غيره...
ينبغي أن ننتقل من التنافس بين مرشحين يفوز فيهم حاشِدُ أصوات قبيلته أو طائفته وأنصارهما إلى اعتبار أصلح المترشحين هو الأقدر على أداء دوره خارج الحسابات الذاتية في مغرب يجتاز ظروفا صعبة رغم توفره على مؤهلات التقدم...
يتميز عصرنا بتغير قواعد الحكم والسياسة، حيث تُستخدَمُ الثورة المعلوماتية التي فرضت تغيير المبادئ التقليدية ومفاهيم قوة الدولة ومكوناتها والأمن القومي والعالمي والتنمية والتقدم...، ما يفرضُ أطرا تمتلك معرفة بالعالم وتحولاته والتغيرات التي طرأت على تدبير الدولة... فزمن النظريات والأفكار التي لم تعد صالحة للحكم ولا للتشريع ولا للتدبير ولَّى، وعصرُنا أصبحَ يتطلب قدرة كبيرة على الخيال وإبداع الأفكار والمشاريع...، والحدود بين الدُوّل زالت، فأصبحت كلها تُجاورُ بعضها البعض، وتتبادل التأثير فيما بينها، فلم يعد بإمكان أي منها الانعزال.
أجمَعَ "برلمان" المغرب مؤخرا على حق كافة المواطنين في الترشُّح لعضوية مختلف "المؤسسات المنتخبة"، بحجة أنه من حقوق الإنسان. ومع تسليمي بكونية هذا المبدأ، فتجربة بلادنا تؤكد أنه حق أريد به باطل، إذ لا يملك الأمي مؤهلات تطوير المشاريع والبرامج والمراقبة والتشريع... كما أنه غير مستقل القرار، وقد يسير بالبلاد صوبَ المجهول. إذا كان للفرد حق الترشّح وترؤس المؤسسات المنتخبة، فلا يُقبَلُ أن يعتدي على الوطن والمواطنين بقرارات عبثية مدمرة لوطنهم ومستقبلهم، إذ ليُمارسَ حق الترشح عليه أن يتملك قدرة لخدمة الوطن والشعب بما ينفعهما ولا يؤذيهما...
ولم تصادق كل "الفرق البرلمانية" على القرار السابق تشبثا بحقوق الإنسان، بل فقط لافتقار أحزابها لأُطر ترشحها في الاستحقاقات المقبلة؛ فالفئات الوسطى قطعت مع زعاماتها لانحرافها عن الخيار الديمقراطي وانشغالها بالريع...، ولهثها وراء أعيان وسخين أميين ليمثلوها في "المؤسسات المنتخبة"، لامتلاكهم ثروات ضخمة مشبوهة يشترون بها أصوات الفقراء. وهناك قوى نافذة تشجع على ترشيحهم لسهولة التحكم فيهم. و"نجاح" هؤلاء في الانتخابات قد يوصل الزعامات الحزبية إلى بعض المقاعد البرلمانية والحكومية... فوق ذلك، فهذه الزعامات ترشح الأعيان إرضاء للسلطة التي يشكلون قاعدتها الاجتماعية لِتعَارُض طبيعتها مع طبيعة الحزب الحديث. كما تفرض الزعامات عليهم دعما ماليا بدعوى المساهمة في تمويل "المعركة الانتخابية"...
كنا نتوقع أن تقطع بلادنا أشواطا في التحديث والبناء الديمقراطي، لكنها ما تزال تلازم مكانها منذ بضعة عقود وتعيد إنتاج "مؤسسات منتخبة" بمعنى "الخاتم المطاطي". ويكاد يُجمع المتتبعون على أن السلطة لن تُغامر بترك العملية السياسية تسير بدون أي ترتيب مُسبَق، ومن ثمة مراقبتها لكل شيء وتقريرها فيه إلى أن أصبح وجود "المؤسسات المنتخبة"غير مُجدٍ في نظر أغلب المواطنين، ما يقتضي من السلطة مُراجعة العملية السياسية كلها باحترام القيم الديمقراطية الكونية لمواكبة التحولات الداخلية والخارجية وتجنيب البلاد من الانهيار الذي قد ينجم عن مقاطعة الأغلبية الساحقة من الشعب المغربي للعملية السياسية...
على النائب أن يمتلك معرفة بشؤون الثقافة والاقتصاد وتحولات الوطن والعالم المحيط به، والتغيرات التي عرفتها الأفكار والنظريات السياسية والاقتصادية، ومفاهيم التنمية الاقتصادية والأمن القومي وغيرها، لأنها شرط ضروري لتحمل المسؤولية السياسية والاضطلاع بالمهام التشريعية...
ورغم أهمية معرفة النائب بمشاكل دائرته الانتخابية وحاجياتها، فتغير الظروف الداخلية والدولية يقتضي تغير طبيعة دوره المنحصر، في أحسن الأحوال، في كونه مجرد نائب للخدمات محليا... وهذا ما يقتضي تغيير مواصفات النائب وأدائه البرلماني بحيثُ يُصبحُ أمينا في تمثيله للشعب، رغم تحزُّبِه.
كما تستوجب المصلحة الوطنية قطع خيوط تبعية الزعامات الحزبية للحاكمين الذين أقدموا تدريجيا عبر سنين على دمج زعامات الأحزاب في مختلف مرافق الدولة السياسية والاجتماعية والأمنية...