في " الرؤية الإستراتيجية: 2015-2030" - التي أعدها المجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي، والمتعلقة بإصلاح منظومة التربية والتكوين في أفق الوصول إلى "مدرسة الإنصاف والجودة والإرتقاء"- نقرأ في الرافعة المتعلقة باللغات المدرسة ما يلي:

"... اللغة الأمازيغية هي أيضا لغة رسمية للدولة، ورصيد مشترك لجميع المغاربة بدون استثناء ( الدستور)، ولغة مدرجة في المنظومة التربوية منذ 2003، يتعين تطوير وضعها في المدرسة ضمن إطار عمل وطني متناغم مع مقتضيات الدستور، وقائم على توطيد وتطوير المكتسبات التي تحققت في تهيئتها اللغوية، وإعداد الكفاءات البشرية والموارد الديداكتيكية لتدريسها، مع الأخذ بعين الإعتبار المقتضى الدستوري الذي ينص على سن قانون تنظيمي يحدد مراحل تفعيل الطابع الرسمي للأمازيغية وكيفيات إدماجها في مجال التعليم، وفي مجالات الحياة العامة ذات الأولوية." (ص:41).

لقد انخرط المغرب منذ سنة 2003 في مسار تدريس الأمازيغية على إثر الإتفاق بين وزارة التربية الوطنية والمعهد الملكي للثقافة الأمازيغية. لكن يبدو واضحا اليوم أن هذه العملية لم تحظ بالعناية اللازمة ولم تخضع لدراسة استراتيجية هادفة. بل إن الأمازيغية مازالت تحضر حتى الآن كمادة للإستئناس ( في أحسن الأحوال). وهكذا ضاع أكثر من عقد من الزمن كان من الممكن استغلاله بشكل أفضل لمنح الأمازيغية مكانتها اللائقة في المدرسة والحياة العامة أيضا.... وإذا كان تعثر البدايات أمرا عاديا بالنظر إلى ضعف المؤهلات البشرية والبيداغوجية الضرورية لإدماج الأمازيغية في المنظومة التربوية، فإن الواقع الجديد الذي فرضه التعديل الدستوري الأخير، يفرض على الدولة وعلى القائمين على الشأن التربوي تحديدا وضع استراتيجية واضحة لتفعيل المقتضيات الدستورية وإنقاذ مطلب تدريس الأمازيغية من التدبير العبثي. إذ لم يعد ممكنا القبول بالتعامل مع هويتنا الوطنية بنفس العشوائية واللامبالاة، فقد آن الأوان لإعادة النظر في السلوك السياسي الذي ظل يهمش الأمازيغية، ولا يلتفت إليها إلا باعتبارها عرضا للفرجة والفولكلور منذ الإستقلال...

إن التنزيل الفعلي لمقتضيات الدستور يتطلب الإسراع بترسيم الأمازيغية وتوفير كل الآليات القانونية والمادية التي من شأنها أن تجعلها على قدم المساواة مع العربية، وذلك وفقا لمنطوق الدستور الذي يعلن رسميتهما معا. أما أن نسمع في العهد الدستوري الجديد نفس الخطاب الإقصائي الذي ساد لأكثر من خمسين سنة، وأن يكون الحديث بالأمازيغية موضوعا للجدل حتى تحت قبة البرلمان ومجالا للمزايدات السياسية بين بعض الأحزاب... فذلك يعني أن الحكومة المعنية بالتنزيل السليم للمقتضيات الدستورية لم تستوعب بعد دلالة المرحلة، وأنها لا تمتلك الجرأة على اتخاذ القرار في هذا الملف بالتحديد. وهنا ينبغي أن نتساءل عن مصير المقترح الذي تقدم به حزب التجمع الوطني للأحرار بشأن القانون التنظيمي للأمازيغية، والذي سحبه من البرلمان بعد ذلك في نونبر 2013 بحجة ضرورة "التوافق والتشارك في إعداد وإخراج القوانين التنظيمية باعتبارها نصوصا مكملة للدستور". وحري بنا في هذا السياق أن نتساءل: ما الأطراف المعنية بهذا التوافق؟. وكيف يمكن أن يتحقق التشارك إذا كانت الحكومة نفسها غير مهتمة بملف التنزيل الدستوري حتى الآن؟. وإلى متى ستظل الأمازيغية ضحية لغياب تفعيل هذا المطلب التشاركي والجماعي في إعداد القوانين؟.

من المؤكد أن أجرأة ترسيم الأمازيغية تفرض ترسانة كاملة من القوانين والتشريعات التي تتطلب مصادقة برلمانية قبل أن تتحول إلى تدابير رسمية وملزمة في مختلف الجوانب التي تمس الحياة اليومية للمواطن المغربي، لكن هذا الجهد التشريعي لا يتطلب كل هذا الوقت الذي تم استهلاكه حتى الآن دون طائل. إذ وبالرغم من من مرور أربع سنوات كاملة على إقرار دستور 2011 ما زال سؤال التنزيل يطرح نفسه. ثم إن أجرأة المضامين الدستورية في المستوى الذي يتعلق بالأمازيغية لا تتعلق بالجانب التشريعي فحسب، بل يجب أن تتجلى في شكل خطوات وإشارات عملية تمهد الطريق لعملية الترسيم بشكل تدريجي في مختلف الإدارات العمومية. وفي هذا الإطار يحضر قطاع التعليم كمجال لا غنى عنه في أفق السعي إلى التنزيل الفعلي لمقتضيات الدستور. إذ لا يمكن أن تتبوأ الأمازيغية مكانتها كلغة رسمية للبلد إلى جانب اللغة العربية بدون أن تتحول إلى مادة دراسية إجبارية في مختلف المسالك التعليمية. والحال أن " تجربة تدريس الأمازيغية " التي بدأت منذ اثنتي عشرة سنة مازالت تعاني من عدد كبير من المعيقات التي أصبح معها مكون الأمازيغية إسما على غير مسمى، لأنه لا يعدو أن يكون مجرد مادة مسجلة في جداول الحصص في أغلب المؤسسات التعليمية الإبتدائية دون أن يكون لها حضور فعلي ومنتج في الممارسة داخل القسم. ومع ذلك تستمر الجهات المسؤولة عن المنظومة التربوية في بلادنا في تضليل الرأي العام، حيث تتحدث نظريا عن النهوض بتدريس الأمازيغية وتعزيز حضورها تدريجيا، في الوقت الذي لا نجد لذلك أثرا واضحا على المستوى العملي. وما يصدر من قرارات تستهدف الأمازيغية في بعض الأكاديميات والنيابات التعليمية تحت ذريعة الخصاص في الموارد البشرية يثبت أن الدولة ماضية في تكريس نفس العقلية الإقصائية التي تستهدف هوية المغاربة. لذلك فإن واقع الأمازيغية في المدرسة المغربية بعد هذه المدة كلها يفرض علينا مساءلة القائمين على المنظومة التعليمية، لكنه أيضا يثبت أن تفعيل مقتضيات الدستور وتحقيق المصالحة مع هويتنا التاريخية يحتاج قبل كل شيء إلى إرادة سياسية حقيقية.

إن الإقرار بترسيم الأمازيغية لا يعني شيئا إذا لم يترجم واقعيا من خلال تدابير وإجراءات لا تتطلب إلا الإرادة السياسية " الطيبة". وإذا كان المغرب قد خطا "دستوريا"خطوة مهمة في الطريق نحو إعادة الإعتبار للحقوق الهوياتية للمغاربة، فإن ترجمة مقتضيات الدستور يجب أن لا ترضخ لأية حسابات عرقية ضيقة، فالأمازيغية لغتنا وهويتنا جميعا. وينبغي أن تتبوأ مكانتها في القضاء والتعليم والإدارة ومختلف جوانب الحياة العامة. وذلك مدخل أساسي من مداخل إرساء الممارسة الديموقراطية بالفعل لا بالقول وحده.