كنت من المعتقدين السذج - وهم كثر في بلادنا- الذين كانوا على خطأ جسيم عندما اعتقدنا وأملنا كثيرا بان الوزير الإسلامي مصطفى الرميد جاء طالب إصلاح في قطاع غمره الفساد منذ عقود من الزمن ، وانه يقاوم الفساد والمفسدين ويكد من أجل ذلك ، في زمن صعب فيه النضال ومقاومة الفساد، لأنه أصبح دولة داخل الدولة، وأصبح هو المبتدأ والخبر في الإدارة القضائية المغربية والادارة المغربية عموما . لكن كم كنت مصدوما وأنا ابلع سذاجتي واضحك من غفلتي وأنا أرى وزير العدل والحريات المغربي الحالي يغتال حرية التعبير والرأي ويصطف إلى جانب الظلمة والمتجاسرين على حقوق التعبير في قضية القضاة الشرفاء النزهاء ويتضايق من ابسط انتقاد لسياسته رغم رعونتها وفشلها في إصلاح القضاء المغربي .
كنا نعتقد أن الوزير مصطفى الرميد والذي حسبناه مناضلا حقوقيا سيقوم بالضغط على اللوبيات وتحريك المتابعات على المرتشيين وناهبي المال العام المنتشرين كالفطريات في كل مكان وسيفتح تحقيقا في من سرق أموال الصناديق المنهوبة ويصلح مدونة الصفقات العمومية التي أصبحت بقرة حلوب لكل الناهبين وتحريك المتابعات ضد قامعي الأساتذة المتدربيين بانزكان وغيرها من المدن المغربية، لكن للأسف الشديد تغاضى الوزير الإسلامي عن الواجب الديني والأخلاقي والسياسي في متابعة المفسدين والذين راكموا الثروات بدون أن يستطيعوا تبرير مصادرها وانسجم مع شعار رئيسه في الحكومة في تطبيق شعار عفا الله عما سلف بالنسبة للحيتان الكبيرة، وقام بعزل قاض شريف ونزيه اسمه المستشار الهيني في سابقة قضائية فريدة، إذ اتهم هذا القاضي الشاب بتهمة انتهاك واجب التحفظ والادلاء بآراء سياسية في مواقع التواصل الاجتماعي. ولكن متى كان التعبير عن الرأي القانوني في قضية القوانين المتعلقة بالسلطة القضائية امرأ يستوجب المساءلة والعزل؟؟ ، والقاضي قبل أن يكون قاضيا فهو مواطن وحقوقي يحق له التعبير عن رأيه في كل القوانين والقضايا التي تهم مصير الوطن والمواطنين . فهل أصبح انتقاد مشاريع القوانين بالمغرب مقدسا لا يجوز القيام به ؟ هل كان الوزير الرميد مستدرجا للايقاع به في مواجهة خاسرة مع الجسم القضائي المغربي بعد ما قام بمعارك مثيلة مع المحامين والعدول والموثقين ؟ الا يعلم السيد الوزير انه دخل التاريخ الأسود من باب الظلم وقطع الأرزاق عن القضاة الشرفاء النزهاء ، فيما ينعم الفاسدون في النعيم لا خوف عليهم ولا هم يحزنون ؟ أما النظر القانوني في المتابعة القانونية التي أدت إلى عزل القاضي الهيني فنستنج منها ان الهيني كان ضحية استهداف مباشر لشخصه وللقيم النضالية الحقوقية التي يعبر عنها ، فالمتابعة القضائية بنيت على شكاية مرفوعة من فرق برلمانية لا صفة قانونية لها للتقاضي ، فلا شخصية معنوية للفرق البرلمانية للتقاضي فهي أدوات تنفيذية واستشارية ولا يحق لها التقاضي ضد الغير فممثل مجلس البرلمان حسب القانون الداخلي للمجلس هو السيد رئيس المجلس ولا يحق لاي نائب أو فريق التقاضي إلا بإذن مكتوب منه وهذا ما لم يحصل في قضية الهيني، فمسطرة المتابعة ضده معيبة شكلا ، أما من حيث المضمون فالقاضي لديه الحق وفق أحكام الدستور والمادة 111 منه تحديدا ان يعبر عن أرائه بكل حرية وان ينتمي للجمعيات والمؤسسات المدنية والثقافية والقانونية ، أليس متابعة القاضي الهيني والقضاة الأخريين المتابعين بتهم التعبير الحر والمختلف مع رأي الوزير أو الأغلبية الحكومية مسا بدستور المملكة الذي يعتبر أسمى قانون وطني من المفروض ان يحترمه الجميع ؟
الأن وقد عزل القاضي الهيني هل يعتقد الوزير الرميد أنه انتصر على غريم له استعمل ضده كل الأساليب واستغل منصبه لتعيين مقرر خاص لقضيته مشهود بعدواته الثابتة مع القاضي الهيني واستغل سلطته لاسكات صوت نزيه مجتهد في قطاع العدالة . لكن الوزير الرميد سيكون واهما إن لم يعتقد أن إقصاء القضاة الشرفاء نكسة تاريخية له ونقطة سوداء في مساره السياسي والحياتي سيعرف فدحها بعد ما يتخلص من دفئ الكراسي الوثيرة والأسامي الفخمة من سيادة وسعادة ويعود إلى تقييم حصيلته . إذ كيف سيلقى الله وهو ظالم لقاض يعلم أن تهمته لم تكن سوى التعبير عن أراءه وانتقاده المشروع لمشاريع قوانين ليست لا معصومة ولا مقدسة، بل هي مليئة بالثغرات والمقتضيات اللادستورية؟ إن تسمية وزارة العدل والحريات لم تعد تنسجم مع الممارسات الجديدة التي نهجها الوزير الرميد إذ أن وزارته مارست عكس مسمياتها فلا عدل لمسناه ولا حريات احترمت، بل الرجوع إلى تكميم الأفواه وقطع الأرزاق وإهانة الجسم الحقوقي ، فقد صدق الهيني عندما قال كنا ننتظر من وزير العدل فتح تحقيق في الحسابات البنكية فإذا هو عزل ونكل بأصحاب الحسابات الفايسبوكية . واختتم مقالتي هذه بقولة معبرة للاصولي الصوفي التونسي المعروف خير الدين التونسي (1825-1889)ويمكن قياسها على وضعنا السياسي والحقوقي اليوم " إن سعادة الممالك وشقاوتها في أمورها الدنيوية إنما تكون بمقدار ماتيسر لملوكها من العلم بكليات السياسة والقدرة على القيام بها وبقدر مالها من التنظيمات السياسية المؤسسة على العدل ومعرفتها واحترامها من رجالها المباشرين لها." مقدمة كتابه اقوم المسالك .
فعندما تكون تنظيماتنا السياسية عاجزة عن أنصاف المظلومين ومؤسسة على الظلم والاصطفاف إلى نصرة المنتمي إليها ظالما أو مظلوما فلا ينتظرنا في عهد هذه الحكومة الإسلامية إلا حياة الشقاء والظلم وانعدام الحريات والحقوق.
* باحث في العلاقات الدولية ، المنسق الوطني للعصبة الامازيغية لحقوق الانسان