ليس هناك أكثر عبثا من العودة إلى السجال في أمور تم حسمها بالتوافق بين المغاربة بعد عقود طويلة من النقاش العمومي والصراع الفكري والصدام الإيديولوجي والسياسي. إذ يقتضي الحسّ السليم أن يتجه الناس إلى المستقبل، عوض أن ينظروا إلى الوراء لإيقاظ نعرات ليسوا بحاجة إليها، بل إنها تتعارض مع الترسيخ الديمقراطي الذي يصبون إليه. ولكن من جانب آخر، إذا كان الناس قد عادوا إلى مناقشة أمور حسموها على الصعيد القانوني، أو ليس ذلك دليلا على وجود أعطاب ينبغي فحصها بإمعان وتداركها ؟

فما هي هذه الأسباب التي تجعل التصادم في موضوع الهوية يستمر رغم الدستور، ورغم ما يبدو أنه تطور في وعي المغاربة وترسانتهم القانونية ؟

إن السبب الأول في تقديري هو أن الهوية إشكال معقد لا يمكن الحسم فيه في وقت وجيز، خاصة وأنّ سنوات المقاربة الاختزالية ومخططات التنميط كانت طويلة وذات آثار فادحة على بنية الوعي والسلوك، وعلى نظرة المجتمع إلى نفسه وإلى الدولة، كما ترتب عن ذلك تشكل الكثير من الصور النمطية التي ترسّخت في أذهان الناس بسبب تأثير الترويض الإيديولوجي للسياسة الرسمية.

والسبب الثاني يعود إلى الطبيعة المزدوجة والمتناقضة للنص الدستوري نفسه، حيث تبدو بعض المضامين كما لو أنها غير محسومة بشكل قطعي، بل تترك لكل طرف إمكان التأويل وإعادة التأويل في اتجاهات أحيانا ما تكون متناقضة. ووحده التيار البراكماتي من يستطيع غضّ الطرف عن تناقضات الدستور الذي يبدو أنه يعكس دولة برأسين.

أما السبب الثالث والأكثر تأثيرا فهو التلكؤ في تفعيل مقتضيات الدستور، وإبقاؤها حبرا على ورق لأزيد من أربع سنوات ونصف، فعندما تقوم دولة ما بمراجعة دستورها فإنما تفعل ذلك من أجل الاستجابة لتحولات على صعيد الواقع المجتمعي وبنيات الدولة، وكذا على ضوء التجارب الجديدة، وبفعل الدروس التي تتعلمها الشعوب من عثراتها، لكن عندما يتم تعديل دستور ما ثم لا يعرف طريقه إلى التطبيق، فإن ما يحدث هو أشبه بإحداث ثقب في إناء يُراد ملؤه بالماء، وهو ما يفسر عودة التشكيك في المكتسبات، سواء من طرف الذين طالبوا بها وعملوا من أجل الوصول إليها، أو من قبَل الذين عارضوها وظلوا يتربصون بها، بسبب اعتقاد الطرفين معا بأن الدولة لا تريد في الواقع تحقيق تلك المكتسبات، فيسعى المناوئون لها إلى إجهاضها، ويعمل المطالبون بها على إعادة الترافع حولها من جديد كما لو أن التاريخ يعيد نفسه. وهذا ما يؤدي إلى إعادة الصراع من أساسه بشكل عبثي.

أما السبب الرابع فيعود إلى أن السلطة لا تؤمن بالتغيير بقدر ما تضع تاكيكات للتسويات الظرفية، وهذا ما يفسر أنها لا تعمل أبدا على التحسيس بالتطورات الحاصلة أو التعريف بالقوانين الجديدة، مما يخلق دائما هوة فاصلة بين الوعي العام وبين القوانين والتطورات التي يعرفها المسلسل البطيء للتحديث والدمقرطة، ويؤدي إلى ما نعاينه جميعا من تقدم القوانين في مقابل نكوصية الواقع. لقد كان تعديل مدونة الأسرة مثلا قبل أزيد من عشر سنوات أمرا إيجابيا وانتصارا للحق، لكن الدولة والحكومات المتعاقبة لم تبذل أي جهد من أجل جعل مكتسبات المدونة تيارا عاما مساهما في تغيير الذهنيات.

أما السبب الخامس فهو ولوج التيار الإسلامي المحافظ إلى مواقع تدبير الشأن العام بعد أحداث 2011، وهو عامل عرقلة تجلى بوضوح في السنوات الأخيرة، حيث عمل الحزب الذي يرأس الحكومة على تكريس نفس التوجهات التي تسعى إليها السلطة، أي على جعل مكتسبات الدستور فيما يخص الحريات والحقوق وثيقة شكلية مجمّدة، (ويتضح هذا التواطؤ بين السلطة والتيار الإسلامي في مسودة القانون الجنائي)، خاصة وأن الكثير من الالتزامات الرسمية للدولة بهذا الصدد ـ والتي لم تُحترم ـ لم تكن موضع رضا هذا التيار بقدر ما تحفظ عليها بطرق مختلفة، بعضها مباشر وبعضها بأساليب ملتوية.

هذه الأسباب الخمسة التي أوردناها تفسر أسباب تزايد التشنجات حول الأمازيغية والهوية الوطنية والمرأة وقضايا المساواة والمناصفة والحريات الفردية والقيم وحقوق الإنسان عامة، ولعلّ العاملين الأكثر أهمية في تصفية الأجواء حاليا وترشيد النقاش العمومي، هما الحسم في الاختيارات من أجل تفعيل الدستور، مع التحسيس والتوعية، إذ يمكنان معا من تغليب النظرة المستقبلية على الحسابات الظرفية الضيقة.