سوء الفهم الكبير الحاصل في ملف أساتذة الغد ليس جديدا، بل هو خلاف قديم بين مقاربتين مختلفتين ، كل منهما تستمد صلاحيتها من الإطار المرجعي الذي تستند إليه.
المقاربة القانونية:
إذاكانت القوانين تمثل أرقى ما توصلت إليه البشرية حينما اهتدى الناس إلى ضرورة التواضع على جملة من الأحكام العامة الملزمة للجميع باعتبارها المسلك الوحيد لتنظيم العلاقة بينهم، وتمكينهم من الخروج من حالة الطبيعة إلى حالة الثقافة، ولما كانت الوسيلة المثلى في عصرنا الراهن على الأقل لأجرأة هذا الاختيار الذي اكتسب صفة الإلزام تحت ضغط إكراهات العيش مع الجماعة هي الديمقراطية التي تعني في أبسط تعريفاتها حكم الشعب لنفسه بنفسه، وذلك عن طريق الاحتكام إلى صناديق الاقتراع لاختيار من يمثلون الشعب للقيام بهذه المهمة . ولما كانت الحكومات المنتخبة التي تستمد شرعيتها من أغلبية عددية تحصلت عليها في سياق التنافس على أصوات الناخبين، تملك الصفة القانونية التي تؤهلها لما تراه منسجما مع ما تتبناه من تصورات و مشاريع بخصوص التدبير والتسيير. فإن سوء التفاهم الذي وصل إلى مستوى التوتر والصراع بين الحكومة المغربية وبين الأساتذة المتدربين يجد حله في نظر دعاة هذه المقاربة في ضرورة الامتثال لما ارتضته الجماعة ووافقت عليه وأعطته الشرعية الكافية التي يستمد منها صناع القرار سلطتهم في إصدار المراسيم والقوانين، وبالتالي ضرورة الاحتكام إلى ما اختارته الجماعة بالطريقة القانونية .و يكون بذلك احتجاج الأساتذة على المرسومين المتعلقين بتقليص المنحة وفصل التكوين عن التوظيف احتجاج لا مبرر له ،في نظر دعاة هذه المقاربة ، طالما أن الجهة التي أصدرت المرسومين هي الحكومة التي تستمد سلطتها من الشرعية الانتخابية المسندة بأغلبية برلمانية مصادق عليها بواسطة القانون.
المقاربة الحقوقية :
صحيح أن القوانين التي تواضع عليها الناس ضمن مجتمع ما تكون ملزمة لهم، ولكن السؤال هو: ما هو السياق والشروط التي تتم ضمنها عملية صياغة هذه القوانين ؟ هل هي شروط تتوفر ضمنها الصدقية الكافية لتكون قوانين منصفة مستجيبة لانتظارات كل فئات المجتمع، أم غالبا ما تكون شروطا يحكمها ميزان القوى الذي يرجح كفة فئة على فئات أخرى ، إذ غالبا ما تكون القوانين مجرد إضفاء الشرعية على منطق الغلبة الذي اعتقد أنه تم القطع معه منذ خروج الإنسانية من حرب الكل ضد الكل إلى مجتمع القانون ؟ ألم تتبث التجارب أن القوانين ليست إلا تعبيرا عن إرادة ورغبة الأقوياء يفرضونها على الضعفاء، بل أكثر من ذلك ليس القانون إلا أدهى حيلة لجأ إليه الأقوياء لاستعباد الضعفاء بإرادتهم و موافقتهم ، و ذلك حينما قال الأقوياء للضعفاء تعالوا لننظم أنفسنا بواسطة القانون على النحو الذي أفاض في تحليله جان جاك روسو ؟ ألا يستمد موقف الأساتذة المتدربين قوته وسلطته مما راكمته المنظومة الكونية لحقوق الإنسان من مكتسبات عديدة ما كان لها أن تصل إلى ما وصلته من أجيال جديدة ومتجددة من الحقوق لولا هذا الصراع بين ما يصبو إليه الحق الذي يستمد مشروعيته مما هو كوني أو أخلاقي أو إلهي، و بين ما يمنحه القانون الذي يبقى دون ما تتطلع إليه المجتمعات من حرية و كرامة وعدالة ا جتماعية أي دون ما يرومه الحق و يصبو إليه؟ ، أليست الأجيال الجديدة والمتجددة من حقوق الإنسان و التي ارتقت إلى مستوى المطالبة بالحق في بيئة نظيفة، والتضامن مع الأجيال القادمة تحت شعار أي عالم سنترك لأبنائنا هي ثمرة هذا الجهد النضالي المستميت في المطالبة بكل إصرار بالمزيد من الحقوق من خلال الضغط على صناع القرار للارتقاء بالقانون للاقتراب من الحق؟ أليس القانون الذي اعتمدت عليه الحكومة في إصدار المرسومين هو عينه القانون الذي يعطي للمتضررين حق التظاهر السلمي والتعبير عن رفضهم لهذا الجور؟ و متى كانت الشرعية الانتخابية وحدها كافية لاتخاذ قرارات مصيرية في شأن منظومة أنشئ من أجلها مجلس أعلى للتداول في شأن المخارج الممكنة لتدبير معضلاتها المختلفة و المتعددة ؟ ألا يحتاج الأمر إلى الحيطة والحذر الشديدين حينما يتعلق الأمر بالمراحل المفصلية التي يتم فيها توفير شروط الانتقال والتأسيس لمجتمع الحرية والكرامة والعدالة الاجتماعية؟ أليست الشرعية الانتخابية في حاجة للمشروعية الأخلاقية التي تشكل حصنها المنيع حينما يتعلق الأمر بقرارات مصيرية كالتي تتعلق ببناء الإنسان الذي لا ينبغي المجازفة بأي قرار يحول دون حقه في الحصول على نصيبه من التربية والتعليم ضمن شروط إنسانية؟ هل قرارات الفاعل الحكومي بخصوص المنظومة التربوية يوجهها تصور نظري يروم إبداع أشكال التدخل التي تتغيى الارتقاء بمستوى الأداء والمردودية النوعية ذات الصلة بما هو علمي معرفي أخلاقي في أفق بناء إنسان قادر على موجهة التحديات ، أم هي قرارات صادرة عن رؤية تقنية ضيقة تحكمها نظرة مالية حسابية بمعايير الربح والخسارة بالمعنى النفعي العامي المباشر و تروم ربح دراهم معدودات من خلال آليتي التقليص في المنحة وفصل التكوين عن التوظيف؟ و إذا تسنى للشرعية الانتخابية أن تصدر قرارات مصيرية في الشأن التربوي فلماذا تكيل هذه الشرعية بمكيالين ،أي تتجرأ على المكتسبات التي تحققت بعد صراع طويل و تصبح يدها مغلولة حينما يتعلق الأمر بقرارات تمس البرامج والمناهج و تدريس اللغات و لغة التدريس(المواد العلمية والتقنية نموذجا)؟ أليس القطاع التعليمي قطاع استراتيحي ينبغي التعامل معه بنفس المعايير المعتمدة بخصوص الجهاز الأمني طالما أنه يعنى بالأمن المعرفي للإنسان و تحصين الناشئة من كل أنواع الإغراء والاختراق؟ و لماذا لا يحدو الفاعل الحكومي حدو الفاعل الأمني بخصوص ربط التكوين بالتوظيف، علما أن أساتذة الغد على عاتقهم تقع مسؤولية توفير الأمن الروحي والمعرفي و العلمي والأخلاقي لناشئة اليوم، أي رجال ونساء الغد ، وعلى كاهلهم تقع مسؤولية درء المخاطر قبل وقوعها إذا ما توفرت لهم الشروط الصحية لأداء رسالتهم الشاقة والنبيلة على أحسن وجه؟، و إذا كانت الشرعية الانتخابية، ذات الصلاحية المحدودة في الزمان قادرة وحدها على ا تخاد قرارات مصيرية تمس شأنا مصيريا لمجتمع بكامله كل خطأ فيه يؤدي المجتمع بكامله فاتورته الباهظة و على مدى عقود من الزمان، فبأي معنى يمكن لهذه الشرعية الانتخابية أن تقرر قي شأن أتبتث التجربة أنه أكبر من التعامل معه بمعايير ضيقة لا تتجاوز صلاحيتها أكثر من خمس سنوات ؟ ، و كيف يجوز المجازفة بما يمكن أن يتسبب التراجع عنه خدشا في هيبة الدولة ؟ ألا يشكل غياب الوعي بخصوصية مهنة التدريس لدى الطرف الحكومي أكبر عائق يحول دون التوصل إلى حل توافقي؟ ألا تقتضي مهنة التدريس توفر عامل الثقة الذي يفترض أن يتوفر بالقدر الكافي لدى المتعلمين تجاه المعلمين ، علما أنه إذا تضررت هذه الثقة تضررت العملية التربوية برمتها؟ فكيف يجوز رهان المعلم على ثقة تلامذته إذا تم ضرب هذه الثقة في الذات، أي تحسيس المدرس أنه مجرد مدرس من الدرجة الثانية؟ ويتعلق الأمر ب 3000 أستاذ، الذين سيتم ترسيبهم في انتظار تشغيلهم في إطار ميزانية 2017 ليس لأهليتهم و كفاءتهم، وإنما تحت ضغط الحل التوافقي الذي يضمن لهم التشغيل دون أن يوفر لهم عنصر الثقة في الذات كحاجة نفسية على أساسها تبنى ثقة تلامذتهم التي بدونها يتعذر الحديث عن جودة الأداء أو الارتقاء بمستوى المردودية؟ فهل الطرف الحكومي و دعاة المقاربة القانونية على وعي بهذه الخصوصية أم ما يحكمهم هو "إنقاذ" ما تبقى من السنة الدراسية التكوينية بأي ثمن و لو على حساب ما هو تربوي ؟ و هل يجوز بعد الوصول إلى الباب المسدود إعمال لغة التهديد و التخويف باستعمال ورقة المجازين المعطلين و هي أكبر إهانة إلى هؤلاء المعطلين باعتبارهم يشكلون في نظر الفاعل الحكومي جيشا احتياطيا من الانتهازيين و مصطادي الفرص لتحقيق المنافع الشخصية و لو على حساب الآخرين؟ و الأخطر من هذا كله ألا يشكل مستوى تدبير هذا الملف ضربة قاضية للخطاب الإصلاحي التربوي عامة وللمجلس الأعلى للتربية والتكوين بصفة خاصة ؟ فكيف بعد هذا كله للثقة أن تعود وللانخراط أن يتحقق؟ و هل من إمكانية للحديث بعد هذا الذي حصل عن الإرادة الحقيقية للإصلاح التربوي؟. و أيا كانت الكيفية التي سيحسم بها هذا الملف، ألا يوجد المجلس الأعلى للتربية اليوم في وضع حرج لا يحسد عليه؟.