ثمة حاجة اليوم في سياق ما يمكن أن نسميه برودا يطغى على المشهد السياسي، إلى إعادة تفكيك كل الأحداث والقرارات والمواقف والآراء التي تفاعلت في البلاد طيلة هذه السنوات التي أصطلِحَ عليها الاستثناء والنموذج المغربيين، ما الذي حدثَ و يحدث بالضبط، من كان الفاعل الرئيسي، ومن كان الفاعل الثانوي، ومن كان الساعي إلى الاستفادة معهما ومنهما، ما هي الاهداف الأساسية التي تحققت، ولصالح من بالضبط، بمعنى آخر، استراتيجية من التي كانت تُنفّد على أرض الواقع، ومن استُخدم واستُعمل في تنزيلها بشكل واعٍ ومباشر، ومن وجد نفسه طرفا في التنزيل اعتقادا منه أنه يقوم بشيء آخر مرتبط باستراتيجية مخالفة، لها ارتباط باستحقاق الحراك الشعبي والتفاعل مع أحداث المحيط الإقليمي !

علينا أن نتسلح بما يكفي من الشجاعة السياسية والنزاهة الفكرية لطرح هذه الأسئلة ومحاولة البحث لها عن إجابات تستند على منطق واضح وتحيل بوضوح على الخلفيات النظرية والفلسفية التي أطَّرت كل ما وقع خلال السنوات الماضية، بعيدا عن التبريرات الجاهزة، التي غالبا ما كان الكثير من الفاعلين يهربون إليها لتبرير العجز عن استيعاب ما حدَثَ و يحدث، والتي لم تكن تخرج في معظمها عن توظيف مفاهيم عرقلة وإبطاء الانتقال الديمقراطي ومواجهة حزب العدالة والتنمية وتعقيد مهمته ومحاصرته، إلى غيرها من التبريرات، التي كانت تُعفي أصحابها من البحث في ما بين السطور وما خلف الصورة.

ما يدفع في اتجاه هذه المحاولة نحو قراءة أخرى ممكنة لما عاشه المغرب منذ الأربع سنوات الماضية، هو كيف عجز حزب الاستقلال إلى اليوم عن فهم وشرح أسباب خروجه من الحكومة، وهو يسعى اليوم إلى إعادة التموقع في المشهد السياسي، وكيفَ قَبِلَ حزب التجمع الوطني للأحرار تعويضه بسهولة غير متوقعة.. يمكن القول إذن أن إخراج حزب الاستقلال من الحكومة وما رافقه من سجالات سياسية كانت تهدف إلى التغطية على السبب الرئيسي ، الذي هو ايجاد موطئ قدم للأحرار، والذي ظل يشكل أداة تنفيذ فعالة للطابع الليبرالي للدولة.

فإدخال الأحرار إلى الحكومة كان في العمق اللحظة الصفر للرِّدة والنكوص أو بتعبير آخر لحظة استعادة الدولة "العميقة" للمبادرة والعودة إلى استئناف تنزيل استراتيجيتها القديمة بطريقة ناعمة، وبفاعل سياسي في ظنها قادر على ضمان تسويق هذا التنزيل على أنه إنجازات من صميم استحقاق المرحلة، وتوظيف شعبيته في امتصاص أي رفض شعبي لتنزيل هذه الاستراتيجية، هذا الفاعل السياسي القوي هو حزب العدالة والتنمية وبالخصوص أمينه العام، ورئيس الحكومة عبد الاله بنكيران.

طبعا لا يمكن اتهام حزب العدالة والتنمية وزعيمه عبد الاله بنكيران بالسذاجة السياسية إلى درجة عدم فهم هذا التّحول و عدم ضبط توجّهه، ذلك أن الحزب كان هدفه أكبر من الدخول في مواجهة مباشرة مع الماسكين بجهاز التحكم عن بعد، حيث كان يهدف إلى توسيع هامش القبول بالحزب والتطبيع معه داخل بنية الدولة، ليس كهدفٍ حزبي بالمفهوم الضيق، و لكن لإعطاء الحراك الشعبي والدستور والانتخابات التي بوأته المرتبة الأولى، مضمونا ديموقراطيا وتوليفة سياسية تروم خلق أجواء الاستقرار أولا وبعث رسائل اطمئنان للشعب، وبغاية خلق خلخلة ولو بسيطة في المسار السياسي للبلاد، ولو كان ذلك على حساب شعبيته وحقوقه في أحيان كثيرة.

وقد تراكمت مؤشرات عديدة تعزز ما نحن بصدده من قراءة، و منها ما له علاقة بالضخ الإعلامي غير البريئ لعدد من القضايا "الحقوقية" في كلّ لحظات الاشتباك السياسي الذي يسبق قرارات مهمة، تارة قصد التمويه، وتارة من أجل استفزاز مشاعر فئات المجتمع المحافظة، هذه المواقف المحافظة للمجتمع تخدم في الجوهر استراتيجية الدولة، تنفيسا وتغطية على المطالب المشروعة المرتبطة بالعدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة، من أجل الالتفاف عليها، والاستمرار في تأجيلها، وإلا بماذا كيف يمكن أن يُفْهَمَ التضخيم الإعلامي لحادثي فتاتي انزگان و الشاذ الجنسي بفاس، ولواقعة "فيمن" أمام صومعة حسان، ثم سهرة لوبيز في مهرجان موازين، وغيرها من الأحداث، التي لم يتأخر حزب التجمع الوطني للأحرار، باعتباره الأداة الفعّالة في تنزيل استراتيجية الدولة، عن التعبير عن مواقفه منهابخلفيته المعهودة المرتبطة بالنظرة الليبرالية للحرية بشكل عام.

ومن تلك المؤشرات أيضا السلاسة التي يتم بها تمرير كافة المشاريع والأوراش الكبرى في القطاعات الحكومية التي يُشرف عليها الوزراء الذين ينتمون لحزب الأحرار، أو الذين كانوا ينتمون إليه دون معارضة تُذكر، ولا حتى تسجيل الملاحظات بشأنها، من غير اعتبارها مهمة و وصفها بالكبرى و..و.. ، ومنها على سبيل الذكر مخطط التصنيع، في الوقت الذي يتم فيه إخراج المبادرات التي يكون مصدرها وزراء العدالة والتنمية أو التقدم والاشتراكية، مهما كانت بسيطة، من سمّ الخِياط ، ومنها مبادرة دعم الأرامل وتخفيض أثمنة الأدوية، ومعارضة هذين الاجرائين لا علاقة لها بالضرورة بالموقف من العدالة والتنمية كحزب إسلامي أو التقدم والاشتراكية كحزب يساري مستقل في قراره إلى حد كبير، وإنما لِما لهما من علاقة وثيقة بمسألة العدالة الاجتماعية في الخلفية الفلسفية التي تحكم استراتيجية الدولة، سواء من حيث المفهوم أو من حيث الأَجْرَأة والجرعة، أو من حيث المخرجات السياسية المؤثرة على التقدم الديمقراطي في حسابات استراتيجيي الدولة.

أما عن تلك المعارك الطاحنة للمعارضة، التي أثتت المشهد، بما فيها حزب الأصالة والمعاصرة، فلم يكن يُنتظر منها طحين، ولم يكن منتظرا منها سوى الجعجعة التي أتقنها هذا الحزب، لذلك تمت مكافأته برئاسة خمسة جهات ورئاسة مجلس المستشارين، نظير ما يقوم به من تمثيل دور البطل في ما يُرى أمام الناس، و في عين الصحافة، بما يمارسه من تضليل ممنهج عن حقيقة ما يجري، رغم أن حسابات هذا الحزب تتجاوز أداء الأدوار الثانوية والوظيفية الموكولة له في العملية ثم يغادر، ولأنه يدرك أن هناك إمكانية الاستغناء عنه بعد أداء المهام القذرة الموكولة إليه في المشهد السياسي، لذلك يحاول ما أمكن اللعب بما لديه من أوراق و يعرض ما يمكنه أن يقدّم من خدمات أمام الفاعلين الرئيسيين، بإبراز نجاعته في تنفيذ المطلوب منه تارة ، وباللجوء إلى الابتزاز لتحصين موقعه تارة أخرى.

من الواضح إذن أننا أمام خطة مدروسة ومحكمة، للالتفاف على عموم مطالب الشارع، بالتخلي عن الأساليب التقليدية المعروفة للهيمنة السياسية والاقتصادية، خطة ساهم في تنزيلها بشكل كبير النجاح الكبير الذي تحقّق في عملية تدجين النخب السياسية والحزبية، المعول عليها في إدارة وإغناء النقاش السياسي والدفع به إلى الأمام ليكون منتجا ومفيدا للمجتمع، وكذا تواضع مداخل التحليل وضيق زاوية النظر عند النخب الجديدة والصاعدة البعيدة نسبيا عن حقل التدجين، وهذا ما يدفع إلى طرح سؤال قد يكون محرجا، وهو هل فعلا انتخابات 4 شتنبر كانت انتصارا سياسيا، وإذا كانت كذلك فانتصار على من، وما حدود تأثيرها على عملية الاستئناف التي باشرتها الدولة عقب ارتباك سنة 2011، لمواصلة تنزيل استراتيجيتها المعهودة في لحظة إعلان حزب الاستقلال خروجه من حكومة عبد الاله بنكيران؟!

في المحصلة يبدو أن الكثير من المغاربة كانوا ضحية خدعة بصرية، عنوانها بناء وانتقال ديمقراطي، وتفاصيلها مُضي الدولة في تنفيذ استراتيجيتها القائمة على التحكم والهيمنة، بمعطيات نظرية تجد جذورها في التجربة التاريخية للدولة الفرنسية، التي علينا ألا ننسى أنها استعمرت المغرب، ولن تسمح فيه -على الأقل بسهولة- بقيام نموذج لا يخدم سياستها ولا يخضع لنفوذها.