مع أن الأمر يتعلق بمحطّة أساسية، وهي محطة مرور نصف قرن على اختطاف المهدي بن بركة الزعيم الثالثي، وفي واحدة من أبشع جرائم القرن العشرين كما أجمعت على ذلك موسوعات السياسة العالمية والمكرّسة، فلا شي ء يلوح في الأفق حتى يتمّ تنظيم لقاء سياسي وفكري وازن يليق بحجم الرجل وبتراثه الذي راح يتشكّـل، وعلاوة على نصوصه وحواراته المعدودة، من عشرات الكتب والدراسات والأفلام... التي تعرض لفكره السياسي ولشخصيته البارزة والدينامية في تلك الفترة المفصلية وغير المستقرّة من تاريخ المغرب. ولا يبدو غريبا ألا نسمع عن احتفالية تليق بالرجل، من قبل الحزب الذي ناضل فيه وقاتل من أجله، منذ فترة، بالنظر لـ"الخراب" الذي انتهى إليه الحزب نتيجة "غموض التناوب" ونتيجة تفكيك البقية الباقية من البنية في ظل التمكّن من "الجثة" من قبل بيلدوزرات كارتونية غير مقنعة وحتى من ناحية الاطلاع على الأفكار المركزية التي أنتجها المهدي بن بركة.

وعندما نلّح على هذا النحو من الإحياء فإن ذلك لا يفيد أبدا أيّ نوع من التقدّيس للرجل أو أي نوع من الارتقاء به إلى مصاف الأصنام التي تشلّ عن التفكير السياسي وعن الإنتاجية الفكرية. نصف قرن من الزمن جدير بإحياء ميراث الرجل اعتمادا على إواليات الندواتية والأكاديميا والاستعادة والتفسير والنقد والتشريح والاعتراض والإضافة... وجدير بالتوقّف عند مناط الخطأ ومن منظور "النقد الذاتي" الذي كان يلحّ عليه بن بركة نفسه، وجدير بالتوقف عند مناط أفكار بن بركة التي لا تزال قابلة للترهين والتحيين في ظل "الحال المغرب الذي لم يتغيّر". مؤسف أن يغتال المهدي بن بركة مرة ثانية ومن قبل صنف من "القتلة اللامرئيين". ولكن علينا أن نعلم أن أسماء كثيرة وازنة، شبيهة بالمهدي بن بركة، وكل في سياقه وكل بمرجعايته، انتمت لإطارات وهيئات... انطفأت فيما ظلـت هي لا تزال تلقي بأفكارها في سياقات الحاضر المتدافعة. إنها الأفكار الكبرى التي ترقى بثقلها إلى أن تسهم في مجرى التاريخ... عكس حشرات السياسة الجديدة والقديمة معا.