لا تأتينا من مصر هذه الايام الا الانباء التي تتحدث عن انتهاكات حقوق الانسان والحريات، والاحكام القضائية المسيسة، ذات الطابع الثأري الانتقامي، ومن هنا لم نفاجأ بتأكيد محكمة جنايات القاهرة اليوم الثلاثاء حكم الاعدام الصادر في حق الرئيس السابق محمد مرسي، الى جانب خمسة آخرين من بينهم المرشد العام محمد بديع وسعد الكتاتني رئيس البرلمان، والدكتور عصام العريان، في القضية المعروفة اعلاميا باسم “اقتحام السجون”.

باتت احكام الاعدام تصدر عن المحاكم المصرية مثل صدور بيانات احوال الطقس، او حركة الطيران في مطار القاهرة، حتى باتت مستعصية على الاحصاء من كثرتها، ناهيك عن احكام السجن المؤبد الاخرى التي تتناسل وتتناسخ بسرعة قياسية.

لا فائدة من تكرار ما قلناه في مناسبات سابقة حول هذه الاحكام نفسها من حيث كونها “مفبركة”، و”غير نزيهة”، وتشكل وصمة عار للقضاء المصري، لان السلطات المصرية لم تعد تأبه بمثل هذه الاقوال، بل تطرب لها، حتى لو صدرت بشكل جماعي من كبار منظمات حقوق الانسان الدولية، مثل منظمة العفو الدولية، لان هذه السلطات، وبكل بساطة، متعطشة للثأر وسفك الدماء.
من قابل الرئيس محمد مرسي، وانا احدهم (قابلته مرتين واحدة في انقرة، والثانية في قصر الاتحادية في القاهرة) يدرك جيدا، ومن الوهلة الاولى، ان هذا الرجل لا يقتحم، سجون ولا يتخابر مع دول اجنبية، وكل ما يهمه هو امن مصر واستقرارها، وتجاوز كل مشاكلها الاقتصادية والاجتماعية بأقصر الطرق واسرعها.

انه عار على هذه السلطات ان تتهم الرئيس مرسي بالتخابر مع جهات اجنبية، وعندما تسأل عن هذه الجهات، يقول لك المدعي العام انها حركة “حماس″، وذراعها العسكري كتائب عز الدين القسام، فحتى لو كانت هذه الاتهامات صحيحة، فصاحبها لا يستحق الاعدام وانما اعلى اوسمة الكرامة والوطنية وعزة النفس.

مثل هذه العقلية السياسية والقضائية لا يمكن ان تقود مصر الا الى المزيد من العنف الدموي والارهاب، والانهيار الاقتصادي، وعدم الاستقرار، الامر الذي سيضاعف من معاناة الشعب المصري، وازماته المعيشية، التي تزداد تعقيدا وتغولا.

نختلف مع بعض الآراء التي تقول بأن احكام الاعدام هذه لن تنفذ في نهاية المطاف، لان السرعة التي تصدر فيها هذه الاحكام، وتأكيدها من قبل محكمة الجنايات، واحالة الاوراق الى المفتي للتصديق عليها، كلها توحي باننا قد نصحوا في احد الايام على الرئيس مرسي ورفاقه وهم معلقون على اعمدة المشانق.

الرئيس مرسي ورفاقه يشكلون هاجسا مرعبا للسلطات المصرية، حتى وهو خلف القضبان، لقد بدا رابط الجأش، صلبا، واثقا من عدالة قضيته، ملوحا بقبضته وهو يتلقى قرار المحكمة بالتصديق على اعدامه، وهذا يكفي في حد ذاته للتعرف على معادن الرجال، وقيم الشجاعة التي يتحلون بها في اللحظات التاريخية الصعبة.