يوسف الإدريسي

لم يكن أكثر المغاربة يأسا في السياسة والسياسيين الذين ابتليت بهم بلادنا، يتوقع المسلسل التراجيدي الذي شهدته قبة البرلمان بحر الأسبوع الجاري، حين رد بن كيران بعبارة أثارت الجدل الإعلامي والسياسي، على برلمانية الأصالة والمعاصرة التي صرخت في وجهه "الحزب ديالي بزاف عليك وكبير عليك"، لينطلق بذلك أسلوب الضرب تحت الحزام حيث أوّل كلام رئيس الحكومة في سابقة سياسية قد يحمّلها البعض أكثر ممّا تحتمل ويستعملها طعما لتحوير السجال الدائر حول إخفاقات السياسات الحكومية وتواطؤ المعارضة مع الانتكاسات الاقتصادية والاجتماعية المتتالية.

قد نختلف أو نتفق مع طريقة تصريف بن كيران لبعض قفشاته غير البريئة وبعض هجوماته الشرسة إزاء من كانوا بالأمس القريب يهددون بحل حزبه ويتهمونه بالضلوع في أحداث 16 ماي، لكن أن ننزل الرجل إلى دركة أخلاقية لا تليق بتاريخه الدعوي والنضالي..أن يطلق أشباه مثقفين العنان لألسنتهم النابزة في محاولة لكسب تعاطف البسطاء وإبداء مظلوميتهم لقواعدهم التي ابتدأ يدب في أوصالها اليأس...هذا ما لا يقبله عاقل ولا يستسيغه متتبع.
ليس الأمر مدعاة غرابة ولا مثار استغراب، إذ إن رئيس الحكومة يتميز بسرعة رد الفعل سواء في البرلمان أو المجلس الوزاري أو المنابر الإعلامية، حتى مع رفاق دربه وحزبه، لكن إذا تعلق الأمر بقرار ملكي أو هجوم من أحد مستشاري القصر أو متنفذ في قطاع حيوي، فوقتئذ تبزغ ديبلوماسية الرئيس في الآفاق، فتراه حملا وديعا، ناكس الرأس، محملق الأعين...كما حصل مع ضاحي خلفان تميم نائب رئيس الشرطة والأمن الإماراتي، الذي تنبأ بسقوط الحكومة التي يتزعمها حزب العدالة والتنمية مهاجما حزب بن كيران بتوصيف غريب في حق إخوانه "أجسام بغال وعقول عصافير". لم يكن حينئذ رد بن كيران اندفاعيا كعادته، بل إنه أعلن في خضم تداعيات هذا القدح الصريح، كون العلاقة بين المغرب والإمارات عاطفية وعائلية وسيعالجها الملك وفق متطلبات المصلحة.
أي مصلحة سيدي الرئيس وأنت تعلم ابتداء أن أمراء الإمارات يكنون عداء خاصا للإسلاميين في أنحاء العالم، أي نوع من الاحتواء الذي طال هياكل حزب الرئيس حينما ينسلخ من جلده بتغير الأحداث ويكيل بمكيال السياسة السياسوية التي أجهزت على ماضيه وحاضره. أم أن الأمر يتعلق بقابلية الاندماج غير المشروط والقبول بقواعد لعبة حددها القصر على أساس جدول أعمال مدرج بشكل مسبق.
بهذا، يكون رئيس الحكومة قد ضحى بقيمة مرجعية حزبه وبقيمة تاريخ شعبه من أجل إرضاء بعض المكونات السياسية، وبالتالي فقد ضرب بعرض الحائط كل الأصوات الثائرة وكل التضحيات المبذولة التي أفرزها الشارع المغربي والتي بفضلها انتزع حزب فخامته الشرعية السياسية، مما أدى إلى تقييد السلطة السياسية والاكتفاء بهامش السلطة، الشيء الذي فوّت فرصة التغيير الحقيقي المنشود وضيّع محاولة تحقيق أبسط الأحلام المشروعة التي راودت الشارع المغربي في أن يصبح جزءا من وطن تتحقق فيه شروط المواطنة بما هي حقوق وواجبات وبما هي مساهمة في تأمين حقوق العباد وتنمية البلاد بوضعها في مصاف الدول الصاعدة وليس في تصنيف الدول التائهة.