نبيل محمد بوحميدي

بعد الإطلاع على آخر ما كتب حول مسألة استقلالية النيابة العامة، ولأن الحسم في هذه الإستقلالية أصبح حاجة مجتمعية، وتجاوز كونه مجرد مطلب ذاتي للقضاة أو مطلب إستراتيجي للساسة، فإنني ألتمس السماح لي بالتطاول على الموضوع؛

قيل أن هذا الموضوع له حساسيته ويفرض نوعا من الجرأة الفكرية، والنزاهة في القرار والإختيار، كما قيل أن لا الإسهال الفكري وإحتلال صفحات الجرائد قد يضغط على توجه ما، وأنه لامحيد لمناقشة هذا الموضوع عن الصراحة، وأن ما سينفع هو مقارعة الحجج بالحجج واستحضار تجارب الآخرين، بطبيعة الحال لا يمكم إلا أن يتم الإتفاق مع هذا القول، بل وأزيد عليه أنه ولا حتى الصراخ في البرلمان، ولا الحديث بقسمات وجه غاضب في لقاءات يفترض أن يكون فيها النقاش علميا؛ يمكنه أن يؤثر على توجه ما، فقط ما سينفع هو الصراحة الواقعية وجرعة قوية من الجرأة لتحقيق مبتغى مقارعة الحجة بالحجة، ونوع من الإستقلالية لتحقيق مناط استحضار التجارب المقارنة؛
ولأن الكلام يكون على قدر المتحدث إليهم فإنني سأتحدث بلسان المتتبع السياسي لا بقلم الباحث الأكاديمي؛

ففي إطار هذا التجاذب الحاصل نجد من طرق باب الموضوع وقال أن فصل النيابة العامة عن وزارة العدل هي مغامرة غير محسوبة لتحميل المؤسسة الملكية وزر كل الإنحرافات الممكنة للنيابة العامة، وهو ما يعني ببساطة جعل الملك في مواجهة مباشرة مع عموم المتقاضين من ضحايا إختلالات جهاز القضاء الواقف؛

إلا أنه من باب أولى يجب ترك الملك بعيدا عن هكذا نقاش، لأن الملك هو رئيس للدولة قبل أن يكون رئيسا للسلطة القضائية ومجلسها الأعلى، وبالتالي إذا استحضرناه في مثل هذه النقاشات كمؤسسة فإنه يجب القول أنه سيكون في مواجهة مباشرة مع عموم المواطنين ضحايا تسيير أي مرفق من مرافق الدولة، لا فقط في مواجهة عموم المتقاضين المحتمل تضررهم من إختلالات القضاء الواقف؛

كما نجد من السياسيين من نهل من بئر المصطلحات المرعبة ليتحدث عن إمكانية تغول السلطة القضائية على حساب السلطتين التنفيذية و التشريعية على إعتبار أنه لن تكون هناك محاسبة سياسية لها،

لكن وبعيدا عن رغبات القضاة وطموح السياسيين، ألا يعلم كل مهتم ومتتبع أنه لا وجود فعلي لمحاسبة سياسية حقيقية في مواجهة وزير العدل ـ وهنا الحديث لا يهم المرحلة الحالية فقط بل حتى المراحل السابقة ـ كي نتخوف من فقدان هذه الضمانة، بل الأكثر من ذلك لنا نموذج المجلس الأعلى للحسابات للنظر إليه قبل الحديث عن المراقبة السياسية وجدواها؛
وهناك ايضا من وهب لنا في الموضوع عن سوء نية أو حسنها خليطا من المصطلحات ليفسر الفرق بين السلطة قضائية الجالسة والسلطة القضائية الواقفة، وإن كنت أتفهم محاولة التأسيس لمبررات الدفاع عن تبعية النيابة العامة لوزارة العدل، فإنني لا أفهم كيف يمكن أن يتم الحسم النهائي في إستقلالية السلطة القضائية كوجهة نظر وفي إطار ذات الحسم يتم الفصل بين مفهوم النيابة العامة ومفهوم القضاء الجالس في إتجاه يبدو وكأنه ينكر على النيابة العامة إنتماءها للسلطة القضائية؛
على أي إن الأمر لا يستلزم إستعراض إشكاليات من قبيل كيف يمكن مواجهة دولة القضاة من طرف الدولة لتحمي أمن وآمان المواطنين، ومن قبيل خصوصيات الضابطة القضائية، إستعراضا لا يناقش هذه الإشكالات من الزاوية العلمية، وإنما فقط هو إستعراض يصب في إتجاه الإقتناع والإقناع بأنه لا سبيل إلى فصل النيابة العامة عن وزارة العدل،
إن الأمر يستلزم فقط عدم إضاعة الوقت والجهد في إعادة سرد هذه الإشكالات بل في إيجاد مخارج لها، إيجاد صيغة ذكية يمكننا من خلالها أن نعيش مرحلة جديدة يكون فيها للسلطة القضائية بواقفها وجالسها إستقلاليتها الكاملة،
مرحلة ينضبط فيها الجميع لمقتضيات الرقابة وحدود ممارسة الصلاحيات، لأنه لا يمكن الإتفاق لا منطقيا ولا منهجيا على أن تعدد الأجهزة الرقابية تضفي الشرعية على جهاز ما في مواجهة جهاز آخر، كما لا يمكن أن يشكل هذا التعدد مصدرا للفعالية لأن هذه الأخيرة تتحقق بطريقة تفعيل هذه الرقابة لا في تعدد الأجهزة المفعلة لها، بل الأكثر من ذلك فإنه في إطار تعدد الأجهزة تذوب إمكانية تحديد المسؤوليات؛
متفقون على أن الحماس والإسهال اللغوي والفكري لا يحقق قيمة مضافة في موضوع تتعقد فيه التفاصيل، لكن مقتنعون أن تفكيك هذه التفاصيل يجب أن يكون في إطار شمولي لا بشكل يتم فيه تفصيل وجه واحد من العملة وإنكار الوجه الآخر؛
بالله عليكم كيف لا يمكن أن يتم التمسك بالدفاع عن إستقلال النيابة العامة عن منصب سياسي يتقلده سياسيون أغلبهم لا وعد صادق لهم، سياسيون هم من كرسوا شبهة إستغلال ذاك المنصب لتحديد الملفات الواجب التحقيق فيها وإحالتها على النيابة العامة، وتلك التي تحال على رفوف الخزائن؛
يحق القول لكم فلتؤسسوا لتغيير وضع كان لكم فيه ما لم تكونوا جديرين به فالأمر لا يتعلق بالقضاة ولا بكم، الأمر صدقا يتعلق بحاجية مجتمعية أكدها الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة؛
فيكم النزيه وغير النزيه، كما في الجسم القضائي، وكما في جميع مؤسسات الدولة، لكن إجعلوا التغيير هو اللغة العالية، وأنتجوا لنا أفكارا تؤسس لتجربة جديدة بآليات جديدة، أولسنا في عهد جديد !؟
تجرؤا ولا تشغلوا بالكم بتخوف المغامرة بمستقبل المغاربة، فأهل المغرب يمتلكون فن البقاء والتأقلم، ويقينا يستحقون تغيير أوجه العبث إذا كان من المعتقد أنه من باب العبث تحقيق إستقلالية النيابة العامة عن وزارة العدل،
لقد عرفنا زمنا تتبع فيه النيابة العامة لوزارة العدل، ونريد عيش زمن تتبع فيه النيابة العامة متبوعها الطبيعي؛ ففي كل الأحوال لنا وضع ديني، ودستوري، وقانوني، سياسي، وواقعي، فيه ضامن للأمن والآمان، بغض النظر عن أي خلاف وإختلاف؛
كان يمكن الإستماع لمبررات سياسينا لو إرتقى الكثيرين منهم بالعمل السياسي، لا أعمم بطبيعة الحال ففيهم الراقين، لكن الوضع العام يفيد أن فيهم من هم غير جديرين بالإحتفاظ بأي علاقة شرعية أو غير شرعية بينهم وبين السلطة القضائية، سواء من المنتمين للسلطة التنفيذية أو المنتمين للسلطة التشريعية، الكل يعرف جيدا أن لا رهان عليهم لتحقيق قيم ومناط تبعية النيابة العامة لوزارة العدل كما هو الوضع في الدول التي تم إتخاذها كمرجع للقيام بالمقارنة،
لكن حقا فيهم من فيه الأمل وعليه الرهان ليحققوا لنا مدخلا وتركيبة قانونية تسمح للمغاربة عيش تجربة جديدة، تجربة الإستقلالية الكاملة للسلطة القضائية بمفهومها الوحيد الذي يجمع بين القضاء الجالس والواقف؛
وبعيدا عن التفاعل المندفع مع الآراء التي تكتسح بقوة الصحافة الورقية والإلكترونية، ومواقع التواصل الإجتماعي، ولأنه لا وجود لكائنات قادرة على كل شيء، فقط إشتغلوا من داخل مؤسساتكم وشرعوا، إصنعوا لنا نصوصا قانونية تضبط صلاحيات وحدود إشراف أهل الدار على عنصرهم البشري؛ فالإشكال ليس في المؤسسات بل في القائمين عليها؛ فقط ركزوا عند وضع ضوابط إختيار المسؤولين على إعتماد معايير الموضوعية والكفاءة العلمية والأخلاقية، بإستحضار الضمير الحي المسؤول المشبع بالقيم الحقوقية، لأن التخليق فقط لا غيره هو من يمكن أن يصحح مسار الديمقراطية كي لا تتجه نحو المقصلة؛
قال محمد العربي المساري في إحدى مداخلاته المعنونة بهل تصلح السياسة أخطاءها، قال أنه لابد من وجود شروط صحة حتى توجد مؤهلات تمكن من معالجة ما يطرأ من خلل، ومن تلك الشروط وجود مؤسسات وأنساق لتصحيح الخلل أو للتحصين منه،
وأقول إلتقطوا خلاصات سلفكم لتكونوا خير خلف، كونوا مؤسسات وأنساق لها من القدرة ما يستطيع أن يصحح الخلل أو في الحد الأدنى يخفف من تداعياته.