مرة أخري نتتبع تدافعا قويا على مستوى الشأن القضائي نتيجة العنف التأديبي الذي يتعرض له من إكتسبوا لقب قضاة الرأي، وبغض النظر عن حجم خطأ وتعسف سلطة التأديب في القضية، وبغض النظر أيضا عن كون القوانين السارية المفعول التي تؤطر المتابعات التأديبية للقضاة من باب أولى تعطيل العمل بها والإسراع في بلورة قوانين بديلة مسايرة للدستور وما آل إليه الحوار الوطني لإصلاح منظومة العدالة، و لما آلت إليه أيضا رغبات المجتمع المغربي، هو الأمر الذي نادت به عدد من الهيئات منذ سنتين إلا أن السلطة الحكومية المكلفة بالعدل لم تستطع بلورة هذه القوانين بشكل يسمح بخروجها إلى حيز التنفيذ في مدة معقولة؛ وهذا ما أكده الملك في خطاب افتتاح الدورة الأولى من السنة التشريعية الخامسة من الولاية التشريعية التاسعة، حينما تساءل عن سبب عدم تحيين قوانين عدد من المؤسسات، رغم مرور أربع سنوات على إقرار الدستور؟ وماذا ننتظر لإقامة المؤسسات الجديدة التي أحدثها الدستور؟؛

بغض النظر عن هذا فلنناقش ما يحدث الآن على مستوى علاقة وزارة العدل والحريات بالقضاة من جانب واقع ووقائع إحالة القاضيين محمد الهيني وآمال حماني على المجلس الأعلى للقضاء، حيث سيتأكد للسادة أعضاء مجلس المستشارين أنه بدأ العمل بمقتضيات مشروع القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، حيث إن الإستدعاء الذي تم توجيهه للقاضي الهيني يشير أن إحالته على المجلس الأعلى للقضاء كان من بين أسبابه إدلاءه بتصريحات ذات صبغة سياسية، وهذا المبرر لا وجود له في المقتضيات المعمول بها حاليا ما يبين أن إدراجه ضمن المشروع هو لغاية تقليص هامش حرية التعبير التي إكتسبها القضاة،هذا ما يؤكد لكم السادة الأعضاء أن النصوص المعروضة عليكم جاءت على مقاس التأسيس لسلطة قضائية مملوكة بعد أن تم رفع فزاعة دولة القضاة؛
السادة الأعضاء إن النصوص المعروضة عليكم والمتعلقة بالجهاز القضائي تتضمن مقتضيات غير دستورية، وتفتقر للمرجعية الحقوقية الدولية، وما يؤكد ذلك هو التضييق على قضاة الرأي الذين أكدوا بمنهجية علمية عدم دستورية هذه النصوص؛ورجوعا إلى التأديب المذكور وإذا إفترضنا جدلا -وهو ما لا نقره -أنه تم الإدلاء بتصريحات أو نشر آراء يراها البعض أن تلبس لبوس السياسة، أو أن فيها ما إعتبره سياسيين مسا بهم (نفترض هذا جدلا لنناقش الأمر لأنه لم يثبت بعد وجود شكاية فعلية تقدم بها برلمانيون)، أوليست هذه التصريحات عادية وليس من الضروري أن نعتبرها ذات صبغة سياسية مادامت المرحلة تشهد نقاشا مجتمعيا حول إصلاح منظومة العدالة، ومدام النقاش مجتمعيا ومن حق القضاة الإنتماء للجمعيات المدنية بقوة الدستور فإنه من البديهي أن يدلوا بآرائهم ومواقفهم وليس بالضرورة الأمر يتعلق بالسياسيين ،بقدر ما يتعلق بالنقاش الكلي المثار في الموضوع، والنقاش لا يتعلق بالأشخاص وإنما يتعلق بالمؤسسات وقوانينها فلماذا يصر عدد من المنتمين للطبقة السياسية شخصنة الأمور رغم أن الملك قد أكد أمام أعضاء الغرفتين على أنه ينبغي الانتباه إلى أن "الحياة السياسية لا ينبغي أن ترتكز على الأشخاص، وإنما يجب أن تقوم على المؤسسات، فالأشخاص كيفما كانوا فهم راحلون، أما المؤسسات فهي دائمة، وهي الضمانة الحقيقية لحقوق المواطنين، وللخدمات التي يحتاجون إليها، والتي لا نقبل أن تكون رهينة أهواء الأشخاص ورغباتهم".
والنقاش كله مثار قصد إقامة مؤسسة قضائية تضمن حقوق المتقاضين أكثر مما هو عليه الحال إذا الأمر كله مرتبط بنقاش قصد الإصلاح ففي ماذا سيفيدنا إصلاح يبنى على تأديب قضاة فقط لأنهم إختاروا الإنضمام للنقاش العام بفكرهم وتوجهاتهم.
إن أي إصلاح لا يمكن أن نصدقه إذا كان مبنيا على تاديب قضاة كالقاضي الهيني الذي عرف بإجتهاده وغيرته على الجهاز القضائي وأبان عن وطنيته في المحافل الدولية والوطنية بنزاهته وكفاءته، أي إصلاح سيتحقق لجهاز يقبل أن يؤدب أمثال هؤلاء فقط لأنهم أزعجوا السياسيين بإصرارهم على قول وجهات نظرهم والدفاع عنها من داخل هيئاتهم المهنية والهيئات المدنية.
للسادة أعضاء مجلس المستشارين أقول أن النصوص التي بين أيديكم تحتاج فعلا لتبصركم ونباهتكم لتساهموا في صناعة نصوص قانونية نستطيع معها تغيير الأوضاع على التي أدت على ضرورة الإصلاح، ولتمكنوا المغاربة من عيش تجربة جديدة فيها قضاة لا يخلفون في قول الحق لومة لائم وفيها نصوص تحقق لهم أمنهم القانوني، تجربة إن تحقق فيها الفلاح، فالدولة بجميع جزئياتها مستفيدة، وان لم يتحقق فإننا لن نخسر شيئا، لأننا أصلا في وضع غير لائق.
أما للسلطة الحكومية المكلفة بالعدل أقول بالله عليكم ما أنتم فاعلون أبهكذا تصرفات يكون النقاش والتجاذب ،ألم يقل من يوجد على رأس هذه السلطة كلاما ذا صبغة جارحة في حق القضاة، ألم يتهم صحافيون قضاة بالتغول، ألم يتهم برلمانيون قضاة بالسعي نحو تأسيس دولة القضاة، لكن الأمر عادي، فالنقاش يمكن أن ينحرف لكن بالتبصر وبالرغبة الحقيقية في الإصلاح نعيده على مجراه الطبيعي لا بعنف التأديب وإلا فعلى كل من نطق بقول غير لائق في لحظة من لحظات النقاش يجب أن يؤدب؛ والأكيد أن ما قاله القاضي الهيني في كتاباته لا يمكن أبدا أن تحمل في طياتها صبغة سياسية ،لكن الهدف ليس حماية القانون ولا الحفاظ على واجب التحفظ بدليل أن المتابعة ومسطرة التأديب لم تحترم ضمانات المحاكمة العادلة لا من حيث الآجالات ولا من حيث الضمانات، أوليس من باب أولى إحترام القنوات القانونية لنقتنع أنه بالفعل الهدف الحفاظ على واجب التحفظ،
إن بمثل أفعالكم هذه تجعلوننا مطأطئي الرؤوس أمام المنتظم الدولي الذي يراقب مدى إلتزام الدولة المغربية بالمواثيق الدولية، وقد كنا نحسبكم حقا تودون إصلاحا ويهمكم الرفع من رأس دولتنا في المنتظم الدولي، لأننا لا نشكك في وطنيتكم ،لكن يبدو أن آفاق تفكيركم محدودة جدا، فكانت النتيجة وستكون مجرد افعال تتصف بالرعونة تجعلنا نحمد الله أنكم تمكنتم أن تكونوا في الحكومة ولكنكم لم تتمكنوا من أن تكونوا حاكمين؛ والله إننا نحمد الله على ذلك لأنكم لم تكن لكم جرأة حقيقية في الإصلاح وعند عجزكم إتخذتم مقصلة التاديب بديلا؛فللسلطة الحكومية المكلفة بالعدل أقول هداكم الله إلى سبيل تحققون به ما نرجوه من إصلاح؛ولأعضاء مجلس المستشارين أقول ساهموا في تشريع نصوص ضامنة لأمننا جميعا بتحقيق الأمن القانوني والقضائي للقاضي والمتقاضي، وللقاضي الهيني الذي أعشق أن ألقبه بالفقيه الحر أقول لن يصيبكم إلا ما كتب الهق لكم، وفقكم الله في خياراتكم وإختياراتكم، ولا تأسف بالرغم من أنه من المؤسف حقا ان يتحول محام رافع زجريا من أجل حرية الفكر والتعبير في أهم قضايا الرأي التي شهدتها المحاكم، ان يتحول عندما ساقت له الاقدار حقيبة العدل الى فاعل زجري في تحويل سلطة قضائية الى سلطة مملوكة.

*دكتور في الحقوق، عضو المكتب التنفيذي لجمعية عدالة